هجرة الأدمغة العراقية

العراقيون يجدون الوطن البديل أكثر جاذبية من بلدهم

بيتر شوارتزستين

نيوزويك

لقد مضى 12 عاماً منذ فِرار عمر حسن ماجد من بغداد، لكن يبدو الأمر أحياناً كأنه لم يغادر وطنه قَطُّ؛ فهو ينتقل من غرفة إلى أخرى داخل عيادة الأورام التي يمتلكها في عَمَّان، الأردن؛ يمزح مع موظفي التمريض العراقيين، ويشرب الشاي مع طبيب التخدير المُقِيم وصديق طفولته، فضلاً عن أن العديد من مرضاه مواطنون عراقيون. وفي الوقت الذي يتوقَّف فيه لتناول العشاء في مطعم مَشَاوٍ عراقيٍّ -في زاوية شوارع الموصل والبصرة- تَمُرُّ ساعات دون أن يرى أردنيّاً واحداً.
يقول ماجد: «يبدو الأمر غريباً. أعلم ذلك، ولكن يوجد العديد من الأطباء العراقيين هنا. وهذا يجعلني أتساءل عمَّا إذا كان قد بَقِي أيٌّ منهم في العراق».
منذ الغزو الأمريكي عام 2003، غادرت النخبة الفكرية والثقافية في العراق وطنها المُضطرِب؛ فِراراً من العنف والاضطهاد والوضع الاقتصادي الذي بات يوفر عدداً قليلاً جدّاً من الوظائف الجيدة. وانتقل عشرات الآلاف إلى الولايات المتحدة؛ حيث حقَّق معظمهم نجاحاً كبيراً.
كما انتقل أكثر من نصف مليون آخرين -منهم مَن هم أكثر تعليماً- إلى أماكن أخرى في الشرق الأوسط، وازدادت أعدادهم بعد أن احتلَّ تنظيم داعش الإرهابي 40٪ من البلاد في عام 2014.
صحيح أن داعش قد اندحرت من معظم أنحاء العراق، ولكن العديد من العراقيين لم يعُودوا إلى وطنهم بعد.
ففي بلدان مثل الأردن ولبنان ودول الخليج، يواصل المهاجرون العراقيون الموهوبون العمل في المستشفيات، وتصميم الطرق، واستخراج النفط، والتدريس للطلاب.
ومع استمرار انتقال البلاد من أزمة إلى أخرى، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى تَفَشِّي الفساد وسوء الإدارة، يواصل المواطنون العراقيون الأكثر تعليماً تحقيق النجاح في أوطانهم الجديدة، ويجدون الحياة في المنفى أكثر جاذبيةً.
يقول علي نوَّاز، مهندس بترول مُقِيم في السعودية، كان قد فَرَّ من بغداد بعد تهديده بالقتل في عام 2006: «لقد كُنَّا بحاجة إلى بيئة آمنة للعمل والعيش، وهم كانوا بحاجة إلى عِمالة ماهرة».
وهذه ليست المرة الأولى التي يعاني فيها العراق من مشكلة هجرة المُفكِّرين والمثقفين.
فالحروب السابقة، مثل الحرب مع إيران في الثمانينات، كان لها تأثير مماثل، ولكن الاضطرابات التي أعقبت الغزو الأمريكي، والحرب اللاحقة مع داعش كانت أكثر ضرراً بكثير في هذا الصدد.
وليس النظام المدرسي العراقي وحده الذي يتخبَّط في حالة من الفوضى، ولكنَّ مَوجة هجرة المحترفين الأخيرة جعلت الحياة أكثر صعوبةً لأولئك الذين مكثوا في العراق.
ووفقاً لما ذكرته محطة روداو، وهي شبكة تلفزيون كردية، فإن أكثر من ثمانية آلاف طبيب عراقي قد غادروا البلاد في السنوات الأخيرة، مما أسفر عن نقص خطير في عدد الأطباء.
تقول نغم حسين، وهي طبيبة مُتدرِّبة من بغداد، كانت قد غادرت إلى الأردن منذ أكثر من عقد من الزمان: «من الصعب جدّاً إعادة طبيب ناجح إلى العراق، بسبب الوضع الأمني، والخوف من الاختطاف».
لا توجد مثل هذه المخاوف في وطنها الجديد في عَمَّان، ويمكننا أن نقول إن خسارة العراق كانت مَكسَباً للأردن.

Facebook Comments

Post a comment