هلل إذا أطحت بديكتاتور

كريستا ماهر
نيوزويك
في يناير/ كانون الثاني 2016، ألقى رئيس زيمبابوي روبرت موغابي كلمة في الاتحاد الأفريقي في إثيوبيا، مندِّداً بتدخل الغربيين في الشؤون الأفريقية، وانخرط المندوبون مراراً وتَكراراً في التصفيق للزعيم البالغ من العمر 91 عاماً، وضحكوا على إحدى نكاته الطريفة، كما كان يفعل جمهوره على مدى عقود.
وقال موغابي: “إنهم في كل مكان في أفريقيا -إن لم يكن شخصياً فمن خلال [المنظمات غير الحكومية] من خلال الجواسيس، من خلال المدعين الذين يأتون إلينا ويقولون إنهم موجودون هنا في أفريقيا لمساعدتنا … فلن يتحمل الأفارقة وضع العبودية بعد الآن”.
ثم تلقى رجل الدولة المسن حفاوة كبيرة في نهاية الخطاب.
انتهت فترة حكمه البالغة 37 عاماً في السلطة بشكل مفاجئ بعد أقل من عامين من هذا الخطاب، حيث أطيح به من قِبَل جيشه وأعضاء حزبه الحاكم في نوفمبر/ تشرين الثاني.
وعلى الرغم من أن الانقلاب كان غير دمويٍّ إلا أنه يبقى انقلاباً، تم منحه الشرعية فيما بعد من قبل المحاكم الوطنية، ووافقت بلدان كثيرة في جميع أنحاء العالم أيضاً على ذلك، وهتفوا بسقوط رجل كان مسؤولاً عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وانهيارٍ اقتصاديٍّ تسبب في جعل أغلب الزيمبابويين في حالة فقر وعوز.
هل يسبب هذا قلقاً للقادة الأفارقة الآخرين؟ قام بعضهم بعمل تغييرات في القوانين قصيرة الأمد، ودبروا استطلاعات رأي مزورة، وقمع المجتمع المدني للبقاء في السلطة، فضلاً عن تلقي الإدانة المستمرة من الحكومات الغربية التي كثيراً ما قام موغابي بانتقادها.
وصرح باراك أوباما خلال زيارته الأولى لأفريقيا رئيساً للولايات المتحدة في العام 2009 “إن أفريقيا لا تحتاج إلى رجال اقوياء… إنها تحتاج لمؤسساتٍ قوية… لا أحد يريد أن يعيش في مجتمع حيث سلطة القانون تفسح المجال لسلطة العنف والرشوة. هذه ليست ديمقراطية؛ هذا طغيان”.
ومما لا شك فيه أن أحداث نوفمبر/ تشرين الثاني قد استحوذت على اهتمام قلة من “الرجال الأقوياء” الذين ينادي بهم أوباما.
ووعد الرئيس الأوغندي يوويري موسيفيني الذي قاد دولة شرق أفريقيا منذ العام 1986 بزيادة الرواتب للجنود بعد يوم من استقالة موغابي.
وفي جنوب أفريقيا حيث الرئيس جاكوب زوما الذي تقل شعبيته على نحو متزايد، يقاتل للبقاء أمام محاولات للإطاحة به. استولى رئيس حزبه على مرحلة ما بعد الانقلاب؛ لِيُعلنَ أن جنوب أفريقيا بحاجة ماسة إلى تغيير القيادة.
يقول ريتشارد داوني، نائب مدير البرنامج في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية: “إنه دَرْس للديناصورات القديمة التي لا تزال مصرة على البقاء في منصبها كرؤساء دول في أفريقيا. أنت في السلطة بناءً على طلب من الشعب أو الحزب، عندما يقولون ان وقتك انتهى؛ إذن فليس هناك الكثير الذي يمكنك القيام به حيال ذلك.”
وخلال العام الماضي سقط عدد قليل من قادة أفريقيا الذين حكموا منذ فترة طويلة. ففي ديسمبر / كانون الأول عام 2016، خسر رئيس غامبيا يحيى جامع منصبه في نتيجة مفاجئة للانتخابات، ليضع بذلك نهاية لحكمه الاستبدادي الذي دام 22 عاما.
وفي آب / أغسطس، تخلى خوسيه إدواردو دوس سانتوس عن منصبه كرئيس أنغولا بعد فترة حكم 38 عاماً تُعد الأطول في تاريخ أفريقيا، وحل محله عضو في حزبه بدأ تجريد حلفائه من مناصبهم.
يذكر أن رئيس زيمبابوي الجديد إميرسون منانغاغوا يتبع آلية الحزب نفسها التي حكم بها موغابي منذ عقود. بمعنى آخر: لم تكن هذه انتفاضةً ديمقراطية، بل كانت تحذيراً! ونظراً لنجاح الاستيلاء العسكري على زيمبابوي، ربما لا يكون موسيفيني وحده في اتخاذ خطوات للتأكد من أن قبضته على الجيش الأوغندي والحزب لا تزال قوية، خاصة مع استمرار السخط الشعبي.
بعد كل شيء، ربما لم يحاول القادة العسكريون في زيمبابوي الإقدام على القيام بهذه المناورة المذهلة لو كان موغابي قد قاد البلاد على نحو أفضل إدارة البلاد وحظي بدعم أكبر من المواطنين.
يقول نيك تشيسمان، أستاذ شؤون الديمقراطية في أفريقيا في جامعة برمنغهام البريطانية: “ لقد جعلوا الحُكم لا يعد يحظى بشعبية كافية على الصعيدين المحلي والدولي”.
فكلٌّ من القادة الذين حكموا لمدة طويلة في بلدان أخرى حيث كانت هناك اضطرابات شعبية، مثل بول بيا في الكاميرون وتيودورو أوبيانغ في غينيا الاستوائية، وهو يعتبر الآن الزعيم الأقدم في أفريقيا، وكل هؤلاء معرَّضون لمواجهة نفس المصير.
لكن يقول تشيسمان أن أي اضطرابات سياسية  في تلك البلدان أو غيرها من المرجح أنها ستنجم عن انتفاضة شعبية أكثر من التدخل العسكري. يقول “أنتم بحاجة إلى رؤية الناس على أرض الواقع أولاً… ربما تكونوا بحاجة إلى رؤية الاحتجاجات الجماهيرية. “
غير أنه من غير المحتمل حدوث تصاعد في حركة الاحتجاجات على غرار أحداث زيمبابوي في أي وقت قريب، وقد صرح مراقبو الأوضاع إن التقدم الديمقراطي في القارة لم يكن بالنضج الكافي في السنوات الأخيرة، كما أشار المراقبون إلى أن الدراسة التي أجراها مركز أبحاث بيو مؤخراً أظهرت أن الكثير من الناس في الدول الأفريقية على استعداد لإعادة النظر في أنظمة الحكم غير الديمقراطية.
من الممكن أن يستغرق الأمر سنوات لمعرفة ما إذا كانت الإطاحة بموغابي تُعَدُّ مكسباً ديمقراطيّاً في أفريقيا؟ ففي حال قيام إدارة منانغاغوا بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التى وعد بها، وقدمت انتخابات نزيهة العام القادم، فإن الانقلاب قد يكون نقطة تحول. ومع ذلك فإن الوضع بالنسبة للزيمبابويين يزداد تدهوراً، كما أن الاتحاد الوطني الأفريقي في زيمبابوي -وهو الحزب الحاكم في زيمبابوي- يشدد قبضته على السلطة، وقد يشكل نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 نقطة تحول مختلفة للدولة وللقارة!
“يطالب الجميع بخروج موغابي” هذا ما قاله وليام غوميد، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الأعمال الديمقراطية في جوهانسبرغ.
وأضاف: “إنها ليست بداية جديدة، ولكن لديها إمكانية لتكون بداية جديدة”.

رئيس زيمبابوي روبرت موغابي، الذي تم الإطاحة به هذا الشهر، في صورة أرشيفية

Facebook Comments

Post a comment