هل يشعل بيرني ساندرز الحزب الديمقراطي؟ أم يخمد الحريق؟

الكسندر نازاريان

نيوزويك

يقول  لي بيرني ساندرز: “من فضلك لا تظن أن هذه أفكاراً أصوليّة أو مكروهة  أو متطرفة بشكلٍ ما”.

في أوائل شهر مايو/ أيار، كان المرشح في سباق الرئاسة ذات يوم ـ وربما المستقبلي- يستعرض مقترحات السياسة التقدمية (مقترحاته السياسية) التي أصلحت بسرعة في العامين منذ خسارته أمام هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية لعام 2016، الحزب الديمقراطي: الرعاية الصحية الشاملة، الكليات العامة المجانية، الحد الأدنى للأجور 15 دولاراً في الساعة. عندما أشرتُ إلى أن البعض يعتقد أن أفكاره قد تكون أكثر ملاءمة لفنلندا من نبراسكا، تجهم ساندرز، وقال بعصبية بصوتٍ ثخين بتعابير بروكلين الأرستقراطية، والتي لم تتلاشَ رغم عشرات السنين التي قضاها في فيرمونت، “انظر إلى مراكز الاقتراع”. “ليس عليك أن تصدق ما أقوله لك”.

وفقاً للعديد من المقاييس، هو محقّ؛ فقد تحوّل ساندرز خلال عامين منذ حملة التمرد التي قادها بسبب استسلام  البيت الأبيض إلى قوة كلينتون الهائلة، من بطل عقيدة معينة إلى قوة المحرك الرئيسي للاتجاه السائد. قد يسخر منه لاري ديفيد في برنامج ساترداي نايت لايف باعتباره رجل سبعيني حادّ الطباع ومتوهماّ، ولكن عندما يؤيد ساندرز فكرةً ما، يستمع إليه أقرانه في مجلس الشيوخ بجدية. أصبح الجمهور الأمريكي أكثر تقبلاً لأسلوبه الاشتراكي الديمقراطي، ورأى الوسطيون الذين كانوا متشككين ذات يوم الانتخابات، واتبعوه بناءً على ذلك.

وقد أدى هذا إلى حرب المزايدات الأيديولوجية عالية المخاطر لإخراج بيرني. في مارس/ آذار، على سبيل المثال، أيّدت عضوة مجلس الشيوخ كريستين غيليبراند من نيويورك مقترحاً يؤكد على أن تضمن الحكومة عملاً لكل أميركي. تلى ذلك التشريعات المتواضعة لعضو مجلس الشيوخ كوري بوكر من ولاية نيو جيرسي، قبل أن يتفوق ساندرز على كل من المشرعين بخطة وطنية (معدل الأجور: 15 دولاراً في الساعة، بالطبع).

 كل هذا جديد بالنسبة إلى غيليبراند وبوكر، أعضاء مجلس الشيوخ الشماليين الشرقيين المرتبطين ارتباطاً وثيقاً بطبقة المانحين الوسطيّين الذين يموّلون المؤسسة الديمقراطيّة. لكن بالنسبة لمؤيدي ساندرز، لم تتغير وجهتهم منذ أن أعلن عن ترشحه للرئاسة في ربيع عام 2015. إن مبادئهم الليبرالية ليست صفقة، وفقاً لآخر نتائج المجموعة المحورية. إنها شرسة ولا تساوم، إنها مبادئ حوّلت الاسكندنافيين إلى مؤيدين، والسوفييت إلى منتقصين. ويعتقد ساندرز ومؤيدوه أن الانقسام القديم بين الجمهوريين والديمقراطيين اُستبدل بصدع أكثر واقعيّة بين أولئك الذين لا يستطيعون فهم كيف يمكن لأيّ شخص أن يعيش بدخل قيمته 15 دولاراً في الساعة وأولئك الذين يقضون حياتهم العملية يكسبون نصف ذلك الدخل.

ومع ذلك تلقت هذه الرؤية ردود فعل متباينة خارج واشنطن؛ ففي الثامن من مايو/ أيار، في سلسلة من الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، حقق مسؤولي المؤسسات النصر على المتمرّدين الليبراليين؛ ففي ولاية إنديانا، على سبيل المثال، فاز مسؤول تنفيذي في الرعاية الصحية كان قد تبرع للجمهوريين بفوز الحزب الديمقراطي لمنصب في مجلس النواب، متفوقاً على منافسيه الذين دعموا الرعاية الصحيّة الشاملة، وفي سباق ولاية أوهايو لانتخاب الحاكم، هزم ريتشارد كوردراي، الرئيس السابق لمكتب حماية المستهلك المالي، المندوب السابق للحزب الديموقراطي دينيس كوسينيتش، وهو الزعيم الليبرالي الذي أيدته مجموعة “أور ريفليوشن” المنحازة لساندرز، وهي المجموعة السياسيّة التي بدأها الأعضاء السابقين في حملته الانتخابية.

في غضون أسبوع، انتعش مؤيدو بيرني؛ ففي الخامس عشر من مايو/أيار، تغلب المرشحون الأكثر ليبرالية على الاتجاه السائد من المتأملين في ولايات بنسلفانيا ونيبراسكا وإيداهو. كان أكثر ما يلفت النظر هو انتصار كارا إيستمان، وهي منظمة مجتمع تقدميّة من أوماها قامت بحملة للحصول على مقعد في مجلس النواب على أساس برنامج يشمل الرعاية الصحيّة بنظام الدافع الواحد، والسيطرة على السلاح، وشطب الماريجوانا من قائمة الجرائم. لم يُخفِ الجهاز الديمقراطيّ الوطنيّ تفضيله للممثل السابق عن الحزب الديموقراطي براد أشفورد، وهو الممثل الوسطيّ الذي وعد بالتسوية. وهلّل الجمهوريّون للنتيجة، مقتنعين بأن إيستمان ستكون الخصم الأضعف في المنطقة ذات الميول المحافظة.

أدّت هذه الإصابة الانتخابية إلى تخوّف بعض قادة الأحزاب من أن تكون الانتخابات النصفية استفتاء عام ملزم على بيرني ساندرز أكثر من دونالد ترمب، مما يضعف موارد الحزب ويمنح الديمقراطيين فرصة أفضل لاستعادة مجلس النوّاب خلال سنوات.

ومع ذلك، يرى ساندرز أن هناك حسبة ضرورية. ففي اليوم الذي تحدثنا فيه، كان في طريقه إلى بنسلفانيا، حيث كان يقوم بحملة لجون فيترمان، المرشح الديمقراطي الضخم الموشوم، لمنصب نائب حاكم والذي سيستمر للإطاحة بمايك ستاك. يقول ساندرز: “دوري هو أن أفعل كل ما في وسعي لدعم المرشحين التقدميين”.

ووفقاً لحسابات الواشنطن بوست، حقق ساندرز أقل من 500 موافقة بقليل، مع وجود عشرة مرشحين من بين واحد وعشرين مرشحاً كان قد دعمهم بعد أن خرج منتصراً. ويعتبر هذا رقماً قياسياً أفضل مما حققته مجموعة أور ريفيلوشن: فقد فاز فقط ثلث مرشحيها البالغ عددهم 134 مرشحاً، أي 46 منهم. لكن الخسارة لا تزعج ساندرز بقدر ما تزعج السياسي العادي. إنه يريد الفوز بلا شك، لكن الانتصارات التي يبحث عنها هي الانتصارات الدائمة، أي أنها من النوع الذي تُحفظ في كتب التاريخ، وليس في التغريدات. في الواقع، من المحتمل أن يجد ساندرز هذا النقاش بأكمله تافهاً، إنه يريد العدالة الاقتصادية، وأنت تريد أن تريه بعض استطلاعات الرأي التافهة؟

إن الفوز بالخسارة هو إستراتيجية سياسية قيّمة، لكنها تنطوي على الكثير من الخسارة. ساندرز، المحارب الوحيد الذي يميل إلى طواحين الهواء المذهبة، يمكن أن يوضح وجهة نظره بألّا يفوز أبداً. في الواقع، لا تؤدي خسارته إلا إلى تعزيز تأكيده على أن السياسة مسرح دمى، وهو رجل قطع كل خيوطه. أجل، من السهل المبالغة في معنى التأييد لشخص أغراهم (أيّد باراك أوباما هيلاري كلينتون، بعد كل ذلك، وشنّ حملة قوية من أجلها، لكن خسارتها لم تشوّه سمعته). لكن إذا كان بيرني يريد أن يلعب دور صانع الملوك – ليحصل على إرث بيل كلينتون، وليس جورج ماكغوفرن – ألا يجب أن يجذب بعض الأوصياء الآخرين؟! وإذا كانت أفكاره تمثل مستقبل الحزب الديمقراطي، كما يزعم أنصاره أنهم يفعلون، لماذا إذاً فشل الكثير من المرشحين الذين يتبنون تلك الأفكار في الفوز؟!

بيرني ساندرز مع مؤيدين

تكسير آلة كلينتون

لدى جيف ويفر تميز شبه مؤكد بأنه الشخص الوحيد في التاريخ الأمريكي الذي أدار كلاً من حملةٍ رئاسية ومتجر بيع كتبٍ هزلية. يطلق على المتجر اسم فيكتوري كوميكس، ويقع في شمال ولاية فرجينيا، وكان ويفر مالكه ومشغله منذ عام 2009، عندما غادر الكونغرس، حيث كان كبير موظفي ساندرز، لقضاء أيامه مع وندر وومن وسبايدر مان  بدلاً من نانسي بيلوسي وتشاك شومر.

في العام 2015 ، طلب ساندرز من ويفر إدارة حملته الرئاسية. بعد ذلك بشهور، قدم اشتراكي ولاية الجبال الخضراء (فيرمونت) بشكل غير متوقع تحدياً حقيقياً لآلة كلينتون المتصلبة وجميع شركائها المفترضين، من الجهات المانحة الساحلية، والطبقة السياسية الدائمة، ومفكري بيلتواي، وكاتبي افتتاحيات مانهاتن. لم يقترب ساندرز إلى هذا الحد، حيث حصلت كلينتون على 3.7 مليون صوت إضافي (حيث سيذكرك مؤيدوها بذلك بلهفة). ومع ذلك، كانت هناك حشود هائلة، تميل إلى الدعوات الثورية لإبطال عدم المساواة في كل مكان، من كتب الجيب إلى السجون. بعد انتخاب ترمب، أصبح بيرني “الذي كان من الممكن أن يفوز” صورة حزينة، وعلامةً على أشياء كان يجب أن تكون.

لا يمكن أن نلوم ويفر على اعتقاده بأن ساندرز كان منتصراً أو لاعتقاده أن ساندرز سيفوز في انتخابات منتصف المدة عام 2018، وربما في العام 2020 حيث من المتوقع أن يترشح للرئاسة مرة أخرى. لا يخجل ويفر بشأن هذه النقطة. عنوان كتابه الجديد هو كيف فاز بيرني “هاو بيرني وون”. جملة الكتاب الأخيرة هي: “اهرب، بيرني، اهرب”!. 

إن حجة ويفر الأساسية هي أن ساندرز كان المرشح الأول الذي وصف بوضوح وصراحة الاقتصاد المُدمّر الذي ظل يعمل على مدى نصف القرن الماضي على الأقل، والذي وسّع فجوة الدخل بشكل ثابت بين الأغنياء والفقراء. كما كان أول من قدم الحلول، في المقام الأول من خلال إعادة الحكومة الفيدرالية إلى نوع الدور الذي لعبته في ذروة الصفقة الجديدة، وهو تنظيم الشركات بشكل أكبر، ولكن مع مزيد من الدعم للمعوزين. منذ ما يقرب من عقدين من الزمان أعلن رونالد ريغان أن “الحكومة هي المشكلة”، فإن الحكومة ستصبح الحل.

وقد جعل إصراره المنضبط على هذه النقاط من الناس الذين لا يهتمون عادة بالسياسة مؤيدين متحمسين للمرشح من ولاية فيرمونت البالغ من العمر 76 عاماً. يشعرون أنه يتحدث عن حقائقهم بدلاً من اللجوء إلى التفاهات المختبَرة بدقة. إن مؤيدي دونالد ترمب يشعرون بالطريقة نفسها تجاهه. (وهناك درجة ما من الإغراء لتغيير ولائهم؛ فقد وجدت إحدى الدراسات أن أكثر من واحد من كل 10 ناخبين لساندرز في العام 2016 يدلون بأصواتهم في النهاية لصالح ترمب في الانتخابات العامة.) “هذه هي الطريقة التي سنفوز بها على المدى الطويل”. يقول ويفر، في منهجه المتبع مع الناخبين المحبطين: ويقول إن معظم المستقلين ليسوا من الوسطيين وأنهم غير متأكدين من الخيار بين الجمهوريين والديمقراطيين ولكنهم خائفون بشكل أكبر من عدم قدرة الطرفين على تقديم حلول لمشاكل الحياة الواقعية. يقول ويفر: “إن الشعب الأمريكي، بشكل عام، يريد أن يتبنّى أجندة اقتصاديّة تقدميّة”. وتوسّعت تلك الأجندة، مؤخراً، لضمان عمل لكل أمريكيّ، إلى جانب تغطية الرعاية الصحيّة والتعليم الجامعيّ.

يمكن أن تكون كلمة تقدمي كلمة سيئة في مناطق كثيرة من البلاد، بقدر كلمة ليبرالي تقريباً. ولكن عندما سألتُ الممثلة شيري بوستوس، وهي ديمقراطية من ولاية إلينوي، التي انتخبت دائرتها ترمب في العام 2016 ، ما إذا كانت رسالة ساندرز قد فشلت في أن تُفهم في طبقة العمال في منطقة الغرب الأوسط، سخرت من هذا الاقتراح. تقول بوستوس: “لا أحد يجلس حول طاولة المطبخ مع أولاده المراهقين قائلاً:” حسناً، هذه قضايا اشتراكيّة “، مشيراً إلى القدرة على تحمّل تكاليف الدراسة الجامعية وتكلفة الرعاية الصحيّة.

يوجد بعض الحقيقة في هذا التأكيد: وجدت الاستطلاعات الأخيرة أن واحداً وخمسين في المائة من الأمريكيين يؤيدون نظام الدافع الواحد، في حين يؤيد ثلاثة وستين في المائة جعل التعليم الجامعي الحكومي مجانياً. أما بالنسبة إلى ساندرز، فلم يتراجع إلى شيخوخة مجلس الشيوخ منذ عودته إلى واشنطن، وهو واحد من أكثر السياسيين شعبيةً في أمريكا، بعد أكثر من عامين على هزيمته في الانتخابات التمهيديّة للحزب الديموقراطيّ. وقد حدّد أحد استطلاعات الرأي نسبة تأييده بسبع وخمسين  في المئة، أي أعلى بسبع عشرة  نقطة من ترمب.

لكن هذه الموافقة لم تترجم دائماً إلى عملة سياسيّة. في العام الماضي، أيد ساندرز مرشحي مجلس النواب في مونتانا وكانساس. كانت هذه السباقات صعبة، وخسر كلا الرجلان. في وقت لاحق، في الانتخابات التمهيديّة في ولاية فرجينيا، والتي اعتبرت اختباراً كبيراً للآفاق الديموقراطية في عصر ترمب، أيد الليبرالي توم بيرييلو، الذي خسر أمام الوسطي رالف نامثام. وكذلك فعل المرشحون الثلاثة الذين ساندهم ساندرز لصالح المجلس التشريعي في نيو جيرسي. حاول في كل من ولايتي ميسوري وبنسلفانيا، تعزيز المشرّعين على مستوى الدولة. وهناك أيضاً فشل في إحداث الفرق الضروري لتحسين الوضع. إن الانتصارات في بعض الانتخابات التمهيدية في مايو/ أيار مشجعة بالنسبة إلى مؤيدي ساندرز، ولكن مثلما يحتاج الديمقراطيون إلى موجة من أجل السيطرة على مجلس النواب، يحتاج الليبراليون إلى موجة خاصة بهم لتأكيد هيمنتهم على حزب لا يزال متشككاً في قوة بقائهم.

فلماذا لم يفز عدد أكبر من المرشحين الذين ساندهم ساندرز؟ يعتقد الناس في معسكر بيرني أن السؤال غير منصف أساساً، وأنه يبرهن على التشكيك المؤسسي نفسه الذي لم يمنحه فرصة في العام 2015. لكنهم مستعدون بشكل واضح لهذا السؤال. وعندما سألتُ عن سجل عضو مجلس الشيوخ المختلط، أعدّ أحد كبار مساعدي ساندرز على الفور جدوليّ بيانات. يؤرّخ أحدهما ل43 زيارة رسمية قام بها ساندرز في العام 2017 و 2018. ويدرج الثاني أسماء المرشحين الـ 17 الذين ساندهم ساندرز في العام 2018. ومن المحتمل أن يستفيد الكثيرون منهم، مثل إميلي سيروتا، المرشحة للمجلس التشريعي في ولاية كولورادو من ضواحي دنفر، من ساندرز واهتمامه. كانت النقطة التي سعى مساعد ساندرز إلى توضيحها واضحة: سيؤيد بيرني كلاً من المنافسين المحتملين في مجلس الشيوخ والمجهولين الذين سيرشحون أنفسهم لمقاعد مجلس النواب. وإذا طلبوا منه السفر، فسيكون ذلك من دواعي سروره.

أما بالنسبة لمجموعة أور رفليوشن، فلديها “سجل فوز جيد جداً”، كما تقول جين كليب من ولاية نبراسكا التي ترأس مجلس إدارة المنظمة، وهي غير مكترثة لكون 66%  من المرشحين قد خسروا. تقول: “تتحرك بلدنا في اتجاه أكثر تقدمية”.

لا يوافق الجميع على ذلك. لقد أثبتت لجنة حملة الحزب الديموقراطي بالكونغرس على وجه الخصوص أنها عدوة متظاهرة بالصداقة مزعجةً بشكل محبط. في ضواحي هيوستن، على سبيل المثال، دعمت مجموعة أور ريفليوشن لورا موسر، الوجه السياسي الجديد الذي خاض حملة تقدمية في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية المزدحمة، وخوفاً من أنها لن تستطيع الفوز في الانتخابات العامة في تكساس بسبب وجهات نظرها اليسارية والتي هي غير مستعدّة للاعتذار عنها، قامت اللجنة بشن هجوم وصفها موسر فيه بـ “المطلعة على واشنطن” التي كانت قد غادرت للتوّ “على مضض” عاصمة البلاد إلى تكساس. كان هذا النوع من القتال الوحشي الذي يخافه الجميع منذ منافسة ساندرز-كلينتون. على الرغم من هجمات المؤسسة، حلّت موسر في المركز الثاني من أصل سبعة في الانتخابات التمهيدية. (حُددت جولة التصفية في 22 من مايو/ أيار، قبل نشر هذا المقال).

بالنسبة إلى ساندرز، فإن المرشحين من أمثال موسر أكثر صلةً بآفاق الحزب الديمقراطي بكثير من المتبرعين في ساوثامبتون وبيفرلي هيلز. يخبرني ساندرز قائلاً: “إن النموذج التجاري للحزب الديمقراطي قد فشل بشكل واضح ” في إهماله لما يسمى بدولة “التحليق” (الأجزاء من البلد التي لا يراها الأمريكيون إلا عن طريق الجو وليس على أرض الواقع) التي فاز بها ترمب. يعتقد ساندرز أن الديمقراطيين لا يمكن أن يكونوا “حزب الساحل الشرقي والساحل الغربي”، على الرغم من أن أكبر احتياطي من المناطق التي صوتت للمرشحين الديمقراطيين يظلّ هناك. يجب عليهم أن يرشحوا مرشحين تقدميين فيما بينهم. يقول لي ساندرز: “إن اللجنة القومية الديموقراطية تتحرك في هذا الاتجاه”.

لا يعتقد ويفر أن ساندرز قد خسر وذلك بسبب التحول اليساري للحزب. على الرغم من فوز كلينتون بفارق ضئيل، يجادل ويفر بأن حملة ساندرز كانت دليلاً على أن الوسطية كانت ميتة، وأن الليبرالية كانت حية وأن الثورة سوف تغمر المناطق المهمة في البلاد.

بيرني ساندرز مع نانسي بيلوزي، رئيسة الأقلية (الديمقراطيين) في مجلس العموم الأميركي

حزب الشاي من اليسار؟

“يا إلهي”. كانت هذه هي الكلمة الوحيدة التي أرسلتها واحدة من أكبر الناشطين الديموقراطيين عندما أرسلتُ إليها قسماً من كتاب ويفر يحث فيه ساندرز على الترشح للرئاسة مرة أخرى. بالنظر إلى فحوى مناقشتنا الجارية، لم يكن من الصعب تخيل أن تكون الكلمة الثانية هي المسيح والثالثة هي كلمة…التي أصبحت طريقة تفكير سائدة.

“لا يمكن أن تقول إن عقيدتك فازت إذا خسرت”، تقول الناشطة الديمقراطية، التي تتحدث بشرط عدم الكشف عن هويتها ، خوفاً من أن يعرضها” بيرني بروس ” – شباب جادّون اتخذوا إمكانية ثورة ساندرز بحماس بعض الشيء  – 280حرفاً في تويتر في وقت واحد. وتقول: إن ساندرز لم يكن له تأثير كبير على اتجاه الحزب الديمقراطي: صوته عالٍ، ولكن في تقديرها، قام الكثيرون بضبطه. تقول عن المرشحين الذين يؤيدهم ساندرز: “إنهم لا يفوزون بالانتخابات التمهيدية”،  (تحدثنا قبل نتائج مايو/ أيار، التي فاز فيها اثنان من الطامحين الذين أيدهم ساندرز في بنسلفانيا).

بالطبع، لا نجد سياسي لديه سجل مثالي، وإنّ ما يعدّ أكثر إثارة للاهتمام الطريقة التي يخسر بها بعض المرشحين الذين يدعمهم ساندرز. فعلى سبيل المثال، في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمنطقة الكونغرس الثالثة في إلينوي، في ضواحي شيكاغو، قام ساندرز بدعم ماري نيومان هناك، وهي مؤسِسة منظمة مناهضة للتنمر لا تهدف للربح ولم ترشح لمنصب انتخابي من قبل، وكانت نيومان تتحدّى شاغل المنصب دان ليبينسكي، الذي شغل المقعد منذ عام 2005، وقبل ذلك التاريخ، شغل والده المنصب، وعلى الرغم من أنه ديمقراطي، كان ليبينسكي معارضاً قوياً للإجهاض الذي رفض تأييد أوباما في العام 2012.

على الرغم من هذه الميول المتمردة، فاز نيومن في العام 2018 بدعم بيلوسي، رئيس مجلس النواب السابق وأقرب شخصية في الحزب الديمقراطي إلى صانع الملوك. جاء تأييد ساندرز لنيومان بعد ذلك بأسبوع، متحدياً المؤسسة الديمقراطية، وكان ليبينسكي مستعداً للهجوم، ولأنه يدرك شعبية نيومان المتزايدة، وصفها  بأنها دمية “حزب الشاي من اليسار”، مشيراً إلى الحركة اليمينيّة القويّة ولكن غير المنظمة التي تنبأت بفوز ترمب. نجح التحذير، وفاز ليبينسكي.

لاحظ  الحزب الجمهوري ذلك، وقرر بوضوح أن ساندرز هو شبح قوي بالنسبة لليمين كما هو ترمب بالنسبة إلى اليسار. في أواخر أبريل/ نيسان، نشرت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري مدونة بعنوان “# بيرنيفايد”، الفرضية هي: كان ساندرز يحول الحزب الديمقراطي إلى نوع من الجهاز السياسي الذي كان سيحقق نتائج جيدة في موسكو حوالي عام 1936. “وبحلول الوقت الذي سنصل فيه لعام 2020، هل سيكون هناك أية سياسة لبيرني لم يعتمدها البقية؟ أم ستكون مرحلة النقاش مليئة بالاشتراكيين المؤمنين بأنفسهم؟”

السر المعروف للسياسة الديمقراطية هو أن الكثيرين يتشاركون هذا الخوف، حتى لو وصفوا أنفسهم بأنهم ليبراليون. هذا صحيح ليس فقط لمرشحي بيرني، ولكن أيضاً لأفكار بيرني. بعد أن أدخل خطته “الرعاية الصحية للجميع” في العام الماضي، كتب المدون الليبرالي عزرا كلاين أنكل هذه الشعبية لخطة ساندرز “لا تحل على وجه التحديد أياً من المشاكل التي قد أحبطت كل خطة نظام الدافع الواحد أخرى في التاريخ الأميركي”. بصرف النظر عن الأرقام، فإن سياسة بيع الكونغرس لمثل هذه الخطة أمر لا يمكن تصوره، حتى كاليفورنيا أغنى الولايات وأكثرها ليبرالية في البلاد- لم يكن من الممكن إقناعها بتنفيذ التغطية الصحية الشاملة، على الرغم من دفع نقابة الممرضات القوية التابعة للدولة، مجموعة منسجمة بشكل كبير مع ساندرز. قضت مدينة سكرامنتو، حيث يملك الديمقراطيون أغلبية ساحقة، على مشروع القانون لأنه لم يكن أحد يعرف من أين سيأتي التمويل. “كان هذا اقتراحاً بقيمة 400 مليار دولار دون مصدر تمويل. وقال رئيس الجمعية انتوني ريندون لصحيفة لوس انجليس تايمز “هذا غير مسبوق على الإطلاق”. “لم يكن هذا مشروع قانون. كان هذا بيان مبادئ“.

واجهت الأفكار المميزة الأخرى مشكلات مماثلة. يكلف التعليم الجامعي المجاني حوالي 75 مليار دولار سنوياً، والتي يقترح ساندرز تغطيتها بضريبة وول ستريت. من الصعب تخيل تأييد الجمهوريين، أو حتى الديمقراطيين الوسطيين، لمثل هذه الخطة. الدخل الأساسي للجميع، الذي يدعمه ساندرز أيضاً، سيكلف 900 مليار دولار، أي أكثر مما يتم تخصيصه سنوياً للبنتاغون. في هذه الأثناء، فكرت إدارة ترمب في إيقاف برنامج ميلز أون ويلز (517 مليون دولار من واشنطن). إلا أن ساندرز ليس رجل تفاصيل. إنه يفوز بحرب الأفكار، التي يعتقد أنها بحاجة للفوز بها.

يقول: “تحظى جميع الأفكار التي أقاتل من أجلها عملياً الآن بتأييد كبير بين الشعب الأمريكي”. من المفترض أنه سيحطم الأرقام لاحقاً.

في كلا الحاتين، هناك بعض الدعم لهذه الرؤية بين القادة رفيعي المستوى. يقول النائب كيث إليسون، وهو ديمقراطي من مينيسوتا ونائب رئيس مجلس النواب: “إن الناخبين أكثر تقدميّة من الأشخاص الذين يمثلونهم”. ويعتقد إليسون، وهو حليف مقرّب من ساندرز، أن الطبقة السياسيّة في واشنطن لا تفهم محنة الرجل العادي، وهذا هو السبب في أن أفكار ساندرز تبدو أكثر غرابة في داخل واشنطن العاصمة من خارجها. “إن الشخص العادي في الكونغرس هو مليونير”، يؤكد إليسون بحق. “إذا جمعنا التبرعات في نادي المدينة، إذا كنت تمضغ ببطء مقبلات شهية، فلن تدور المحادثة حول تسريح العمالة في تويز آر أس المحلي”.

ولكن إذا كان ساندرز يمتلك القدرة على الإلهام، فإنه لديه القدرة على الغضب، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالمطلعين الديمقراطيين الذين يعتقدون أنه لا يفهم كيف تعمل السياسة. “إذا كان الغرور والسعي الناجح للعناوين الرئيسية هما مؤشران حقيقيان للكفاءة السياسية، فربما كان السناتور بيرني ساندرز (الأول من فيرمونت) في الواقع ذو نفوذ ولديه هدف فاسد، ويّباع حالياً افتتاحيةً لعمود 2017 الذي يتهاوى بقلم مايكل أرزينياكوس في مجلة ذا رووت. عنوانها “اصمت، بيرني ساندرز”.

يعتقد فيليب رينز، أحد كبار مساعدي هيلاري كلينتون السابقين، أن ساندرز يعاني من “السذاجة الأيديولوجية”، على حد تعبيره مؤخراً. يقول إن بيرني يسيء فهم الناخبين. في حين رأى ساندرز التأييد الذي تمتع به خلال الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين باعتباره ازدهاراً للمشاعر الليبرالية، رأى رينز شيئاً أقل تحولاً بكثير: التعطش لشخص، أي شخص لا يسمى كلينتون. منذ ذلك الحين، كما يقول رينز، يبالغ بيرني في تقدير الدعم لسياساته. هذا من شأنه أن يساعد في تفسير سبب عدم فوز المرشحين الذين دعمهم بأعداد كبيرة في انتخابات 2017 و2018.  يعتقد رينز أنه لن يكون هناك أي اختلاف في انتخابات 2020، هل يمكن أن تصل الأمور إلى هذا الحدّ. ويقول: “بيرني الذي رأيناه في العام، 2015  لا أعتقد أن هذا سينتقل إلى عام 2020 بطريقة سحرية”.

أهرب يا بيرني، أهرب

في منتصف أبريل/  نيسان، عقد الحزب الديمقراطي في نيو هامبشاير حفل العشاء السنوي لـنادي إم سي إندري-شاهين 100 في ناشوا، وهي بلدة تقع بالقرب من الحدود مع ماساتشوستس. في الصفحة 31 من البرنامج، كان هناك إعلان جذب انتباه الحضور، فقط بسبب من سيشتريه: “أصدقاء بيرني ساندرز.” تعهد الإعلان بالعمل مع الحزب الديمقراطي في الولاية “في العام 2018 وما بعده!”

تقع حملة الانتخابات الرئاسية بعد انتخابات التجديد النصفي، والتي يتوقع الكثيرون أن يتحدى ساندرز فيها ترمب، وربما عشرات المرشحين من حزبه. عندما سألته عن ذلك، رفض ساندرز الإجابة عن السؤال، كما يفعل كل مرشح محتمل. بالطبع لن يترشح. الأشخاص الوحيدون الذين أعلنوها مبكراً هم مجانين.

في الوقت نفسه، يتصرف بيرني باعتباره مرشحاً. وسوف ينشر كتابه الخاص ”إلى حيث سنذهب من هنا“ where we go from here، في وقت قريب من انتخابات منتصف المدة في الخريف، عندما يتحول الانتباه إلى الانتخابات الرئاسية. لقد ذهب إلى  ولاية أيوا على الأقل مرتين. وعلى الرغم من بقائه بعيداً عن ألاباما خلال حملة مجلس الشيوخ رفيعة المستوى العام الماضي، فقد غامر واتجه جنوباً في محاولةٍ لجذب الناخبين السود.

يقول مارك بين، خبير الاستطلاعات المخضرم الذي اعتاد العمل مع بيل كلينتون، مشيداً بشجاعة ساندرز: “الشيء الوحيد الذي يتمتع به ساندرز هو أن الناس يحبونه شخصياً”. ويقارن مارك ساندرز بأوباما، لأن، كما يقول، كلا الرجلين كانا أفضل من السياسات التي اقترحوها. ويقارن ساندرز بترمب، الذي يكرهه الكثيرون، حتى مع أن بعض سياساته تتمتع بالتأييد.

لقد توصل استطلاع بين إلى استنتاج لن يفاجئ أحداً تسوّق يوماً في والمارت أو تارجت: يبقى الناخبون “رأسماليين أقوياء بطبيعتهم”، بينما يرفضون الاشتراكية على أنها “تهديد”. لقد وجد بين أن المقترح السياسي الوحيد لساندرز والذي ارتاح له الشعب هو التغطية الشاملة للرعاية الصحية.

مثل معظم الأشخاص الآخرين الذين تحدثت إليهم، أعتقد أن ساندرز سيرشح نفسه في العام 2020. لا يعتقد الجميع أن هذه فكرة جيدة. ويعرف نائب الرئيس السابق جو بايدن أيضاً كيف يُغري الطبقة العاملة، لكن على خلاف ساندرز، “إنه أكثر انسجاماً مع الرسالة الديمقراطيّة الفائزة” للتدرج الليبرالي، كما يقول بين، وأقل احتمالاً أن يصبح مخادعاً. إن إليزابيث وارن هي مجرد تقدمية، ولكنها أقل لعنة  بالنسبة للمؤسسة الديمقراطية، ويقول رينز، مساعد كلينتون السابق، مع موقف يشبه الاستقالة “سيفعل ما يراه صحيحاً ليس بالضرورة ما هو أفضل بالنسبة للحزب الديمقراطي.” قد يختلف ساندرز مع هذا التأكيد. إذا لم يكن يعتقد أنه يعرف الأفضل، لصمت منذ فترة طويلة. وقضيته من أجل إعادة التنظيم مقنعة.

خلال السنوات الثمانية لرئاسة أوباما، فقد الحزب مئات المقاعد التشريعية في جميع أنحاء البلاد. فقد كلا مجلسي الكونغرس. ثم فقد الرئاسة. بالنسبة إلى ساندرز، كانت هذه علامات على وجود مرض عميق داخل المؤسسة الديمقراطية، وهو مرض تفاقم بسبب دولارات المانحين وبيانات الناخبين، وفصَلَهم أيضاً بشكل متزايد عن الناس العاديين. على الرغم من أنه قد يلجأ إلى هذه الفكرة، إلا أن ما يصفه، بالنسبة لمعظم الأمريكيين، سيصل إلى معاملة تجريبيّة. والسؤال هو كم واحد منهم بالفعل يريد هذه الوصفة.

(شاركت في التغطية ماري سوليس)

Facebook Comments

Leave a Reply