هل يمكن أن ينهي اتفاق أستانا الحرب السورية؟

آرون لوند

 وكالة إيرين التابعة للأمم المتحدة

اجتمع مبعوثو روسيا وتركيا وإيران يوم الخميس للتوقيع على اتفاق حول الأزمة السورية في أستانا، عاصمة كازاخستان. وعند بدء عملية التوقيع، توقفوا فجأة بعد سماع صرخة من أحد أعضاء المعارضة السورية الذي قال: “إيران مجرمة، وليس لها الحق في أن تكون من بين الدول الضامنة”. ثم خرج مندوبو المعارضة غاضبين من القاعة. ويبدو أن المفاوضين الحكوميين الثلاثة تجاهلوه وشرعوا في التوقيع على الاتفاق، الأمر الذي منح سوريا اتفاقاً آخر لوقف إطلاق النار بهدف إنهاء حربها المستمرة منذ ست سنوات. فما هي بنود الاتفاق؟

كان الرجال الثلاثة الذين وقعوا على اتفاق أستانا الجديد هم المبعوث الرئاسي الروسي لسوريا ألكسندر لافرنتييف ونائب وكيل وزارة الخارجية التركية سادات أونال ونائب وزير الخارجية الإيراني حسين جابري أنصاري. ويبني الاتفاق نفسه على أساس وقف إطلاق النار المعلن منذ ما يقرب من خمسة أشهر من قبل بلدانهم الثلاثة في 30 ديسمبر – ويرجع ذلك جزئياً إلى سقوط جيب المعارضة في شرق حلب الذي ساعد في التأثير على تركيا المؤيدة للمعارضة من أجل التوصل إلى تفاهم مع منافسيها الموالين للحكومة في روسيا وإيران.

وقد تم الحاق الحديث عن وقف إطلاق النار الطويل الأجل بالهدنة منذ شهر يناير. ومنذ ذلك الحين، أصبحت اجتماعات أستانا كمسار تكميلي لعملية السلام الرئيسية التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف. من جانبها، كانت روسيا تميل إلى استخدام الدبلوماسية النشطة لقيادة هذه العملية، حتى عندما بدت إيران وكأنها تتلكأ في بعض الأحيان، في حين بدت تركيا وكأنها غير متأكدة من أولوياتها الحالية، ولكنها كانت حريصة على التواجد على طاولة المفاوضات. ومما لا يثير الدهشة أن التطور المقترح لاتفاق 4 مايو من هدنة إلى خطة طويلة الأجل لتخفيف التوتر يبدو نابعاً من سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقد وردت في الاتفاق أربع مناطق لتخفيف التوتر هي: جيب المعارضة الذي يسيطر عليه الإسلاميون في إدلب والمناطق المحيطة بها في شمال غرب سوريا؛ وجبهة الرستن – تلبيسة شمال حمص، وجيب الغوطة شرق دمشق، والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حوران والجولان بالقرب من الحدود الأردنية. وفي واقع الأمر، يرقى هذا الاتفاق إلى مستوى الهدنة بين الرئيس بشار الأسد والقطاعات المعترف بها دولياً من المعارضة السورية، مع منح تركيا في الوقت نفسه حرية مواصلة حربها ضد الفصائل الكردية المعادية والسماح لجميع الأطراف بشن حرب على ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

وينص الاتفاق على أن تقوم حكومة الأسد بوقف جميع أشكال الطيران فوق مناطق تخفيف التوتر اعتباراً من يوم السبت عندما تبدأ هدنة لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد. وقالت روسيا أنها ستواصل التحليق لكنها ستمتنع عن شن ضربات جوية إذا ما انتهى العنف بالفعل. وستسمح حكومة الأسد بتقديم المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة وسوف تُستأنف الخدمات العامة مثل المياه والكهرباء في المناطق التي توقفت بها. وفي غضون ذلك، ستستمر المحادثات السياسية في جنيف، ربما في شهر مايو، وكذلك في أستانا، في منتصف يوليو.

ردود الفعل الدولية

وقال بوتين عقب اجتماعه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مدينة سوتشي الروسية “إننا كضامنين – تركيا وإيران وروسيا – سوف نبذل كل ما فى وسعنا لإنجاح هذا الاتفاق”. من جانبه، قال أردوغان أن الاتفاق سيحل نصف النزاع السوري، ومن الواضح أنه يعتبر مشكلة تركيا مع الأكراد هي النصف الآخر.

وقد حاولت كل من روسيا وتركيا – وبقدر أقل إيران – بشكل حثيث اجتذاب الولايات المتحدة إلى عملية أستانا. وقد ترددت الولايات المتحدة بسبب خيبة أملها إزاء فشل روسيا في كبح جماح الأسد خلال محاولات وقف إطلاق النار السابقة واحتجاجاً على تقويض موسكو للاتفاق الأمريكي الروسي بشأن الأسلحة الكيميائية في سوريا، ولكن أيضاً لأن الأمريكيين ما زالوا غير مقتنعين بفرص نجاح مسار أستانا. مع ذلك، يبدو أن الروس يأملون في أن تروق مناطق تخفيف التوتر الجديدة للرئيس دونالد ترامب، الذي تتضمن سياسته الغامضة بشأن سوريا رغبة في تقليص المواجهة الأميركية مع الأسد وإقامة شكل من أشكال المناطق الآمنة يمكن إعادة اللاجئين إليها. ويشير اتفاق 4 مايو بالتحديد إلى عودة اللاجئين كأحد أهداف مناطق تخفيف التوتر الأربع.

ولم تشارك الولايات المتحدة في المحادثات إلا بصفة مراقب، لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية عبر عن ترحيب حذر باتفاق أستانا قائلاً أن الولايات المتحدة تقدر الجهود الروسية والتركية، مضيفاً أن واشنطن “شجعت المعارضة السورية على المشاركة بنشاط في المناقشات رغم الظروف الصعبة على الأرض”> بيد أن البيان الامريكى حذر أيضاً من صعوبات خطيرة.

حكومة متعنتة

والمشكلة الأكثر وضوحاً هي أن اتفاق 4 مايو وقعه لافرنتيف وأونال والأنصاري – وهم روسي وتركي وإيراني. لم يوقع أي سوري على الوثيقة، على الرغم من حقيقة أنها صيغت بغرض إنهاء ما لا تزال، بسبب التورط الدولي، حرباً أهلية بين السوريين.

وكانت وزارة الخارجية والمغتربين في دمشق قد أعربت في السابق عن تأييدها للخطة الروسية، ولكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت القوات المسلحة السورية ستلتزم تماماً بشروطها. لقد كان امتثال جميع الأطراف للصفقات السابقة متقطعاً، مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن القوات المؤيدة للأسد هي التي تواصل في النهاية الاستيلاء على المزيد من الأراضي بعد كل وقف جديد لإطلاق النار. والواقع أن أحد مطالب المعارضة خلال اجتماع أستانا هو أنه على الحكومة تسليم المناطق التي استولت عليها منذ إعلان الهدنة في 30 ديسمبر، ولكن هذا المطلب لم يلق تأييداً.

وحتى لو توقف القتال، فإن هناك عقبات محتملة أخرى. وفي ظل اتفاقات وقف إطلاق النار والهدنة المحلية السابقة، كان من المستحيل في كثير من الأحيان حمل الحكومة السورية على الالتزام بالاتفاقات الموقعة لإطلاق سراح السجناء والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة. ومن المؤكد أن ممثلي المعارضة كانوا مفاوضين شرسين وغير موثوقين، ولكن سلوك الحكومة كان أهم بكثير لأنها تحتجز معظم السجناء، وهي المسؤولة عن معظم الحصارات، ويمكنها التحكم في وصول الأمم المتحدة والهلال الأحمر إلى المحتاجين للمساعدة. وعندما لا يريد الأسد مسايرة الوضع أو لا يبدي اهتماماً كافياً بإنفاذ الانضباط في صفوف جنوده، فإن الاتفاقات تفشل دائماً.

وتمتلك روسيا وإيران نفوذاً كبيراً على الحكومة السورية، ومن المتوقع الآن أن تحاول الضغط على الأسد للقيام بدوره. لكن ذلك قد لا ينجح إلا بشكل جزئي، وأي نجاح في إرغام النظام السوري سيعتمد على الأرجح على التنسيق بين حليفيه الرئيسيين، روسيا وإيران. وخلال فترات وقف إطلاق النار الفاشلة السابقة، بدا أن إيران تشجع أحياناً تعنت الأسد، حتى على حساب تقويض الآمال الروسية في اجتذاب الأمريكيين للدخول في صفقة ما.

معارضة مقسمة

يبدو من الصعب أن تضمن روسيا وإيران التزام الحكومة السورية، إلا أن تركيا قد تواجه وقتاً أصعب في محاولة إقناع المعارضة السورية بتنفيذ الصفقة، لأن بعضهم لا يريدون أن يشتركوا فيها، بينما لا يُسمح للآخرين بالمشاركة.

وينص اتفاق أستانا على أنه يتعين على الدول الموقعة وحلفائها السوريين “اتخاذ جميع التدابير اللازمة” لمحاربة الجهاديين المحددين من قبل الأمم المتحدة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية وهيئة تحرير الشام، خليفة جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، “داخل وخارج مناطق تخفيف التوتر” على حد سواء. وفي واقع الأمر، فإن جغرافية النزاع السوري قد طوقت تنظيم الدولة الإسلامية في شرق سوريا، حيث يقاتل جيش الأسد أو الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، وستكون غير ذات صلة إلى حد كبير بتنفيذ صفقة أستانا، ولكن هيئة تحرير الشام تقبع بين المعارضة داخل كل واحدة من مناطق تخفيف التوتر الأربع المقترحة. بل إنها المجموعة المهيمنة في شمال غرب سوريا.

ولذلك فإن هيئة تحرير الشام لديها أسباباً عديدة لحشد المعارضة لاتفاق أستانا ونسفه من خلال التفجيرات والاستفزازات الأخرى. كما يبدو من المرجح أن تشجع نشوب اشتباكات بين الجهاديين ومقاتلي المعارضة الذين ينوون الالتزام بخطة أستانا، الأمر الذي قد يغري حكومة الأسد لاقتناص فرص جديدة للتوغل.

وفي الغوطة الشرقية، شنت جماعة إسلامية مؤيدة لاتفاق أستانا تُعرف باسم جيش الإسلام هجوماً بالفعل على هيئة تحرير الشام في 28 أبريل. وعلى الرغم من أن الهجوم له خلفية معقدة ولا يمكن بالضرورة اعتباره مجرد ضربة استباقية مستوحاة من اتفاق أستانا، إلا أن الجهاديين الغاضبين يسعون إلى تصويره على أنه مرتبط بـ”الاقتراح الروسي”.

قوات على الأرض

ولتحقيق الاستقرار في الوضع، اقترحت الدول الثلاث الضامنة نشر مراقبين مسلحين على طول الخطوط الأمامية التى سيتم تجميدها، وربما تستدعي دولاً أخرى كطرف ثالث لتقديم الدعم. وقد احتجت المعارضة على منح أي دور في عمليات حفظ السلام لإيران، التي تحارب مع قوات الأسد على الأرض. ولكن بغض النظر عن ذلك، يبدو أن أطراف المعارضة الذين يقبلون محادثات أستانا يمكنهم تقبل الفكرة، على افتراض أن وجود مراقبين أتراك وروسيين في مناطق معرضة للخطر قد يوفر أفضل حماية للمعارضة من هجمات الحكومة السورية المتجددة.

من جانبه، قال لافرنتيف “إن روسيا مستعدة للمشاركة عن طريق إرسال مراقبين إلى ما تسمى بمناطق خط الأمان للمشاركة في مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار وتحديد الانتهاكات”.

غير أن هذا سيكون عملاً خطيراً، ويبدو من غير المحتمل أن يتم نشر أعداد كافية من قوات حفظ السلام دون وجود آلية تنفيذ سليمة وضمان مسبق من جميع الأطراف. وقد تطرأ مشاكل لأن اتفاق 4 مايو في أستانا يفتقر على ما يبدو إلى أي هيكل مفصل لإنفاذ أحكامه وحل الادعاءات أو التفسيرات المتضاربة. ومن المفترض تشكيل مجموعة عمل مشتركة بين الدول الضامنة الثلاث قبل 18 مايو، إلا أن ذلك يترك أسبوعين من المشاكل المتصاعدة، كما أن التفاصيل عن كيفية عملها في الممارسة العملية شحيحة.

وبحسب الوضع الحالي، يبدو من غير المحتمل أن يحقق اتفاق أستانا نجاحاً باهراً. قد يحد من أعمال العنف ويحسّن الوضع الإنساني في بعض المناطق، ولكن إذا أو عندما يبدأ في الانهيار، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى اتهامات متبادلة بين الموقعين الثلاثة وحلفائهم يمكن أن تزعزع الاستقرار. وفي حين أنه من غير المرجح أن تنهي الصفقة الصراع السوري، فإنها قد تساعد على تشكيل مستقبله – إلى الأفضل أو الأسوأ.

Facebook Comments

Post a comment