هيلاري ترمب

');

نينا بيرلي

نيوزويك

إنتاب الشعب الأمريكي حالةً من الحيرة والتشوش عندما شاهدها تتحدث في المؤتمر الوطني الجمهوري هذا الصيف؛ حيث بدت في غاية الروعة والثقة بالنفس في ثوبها الضيق الأنيق الذي يحمل توقيع إحدى أرقى الماركات العالمية (قد تطلق شركتها هاشتاج على توتير قريبًا: “كيف تحصلين على “مظهر إيفانكا”؟)، إنها إيفانكا ترمب، ابنة الملياردير الذي طالما أُثيرت حوله الأقاويل بسبب سلوكه الجنسي، صعدت إيفانكا إلى المسرح بخطوات واثقة لتتحدث عن النساء العاملات واحتياجاتهن وذلك خلال أمسية حافلة أقيمت في مدينة كليفلاند. اشرأبت أعناق الحاضرين ليتطلعوا إليها بينما رسموا على وجوههم إبتسامة متكلفة. وفي النهاية ما كان أمامهم سوى التصفيق بتحفظٍ بينما لسان حال الكثيرين منهم يقول: هل حقًا قالت “رعاية الطفل ممكنة التحقق؟” من سمح لهذه الناشطة النسائية بالتواجد هنا؟ فليوقفها أحد!
إذن “من هي إيفانكا؟”
هذا هو السؤال الذي بدأ يحاصر إيفانكا منذ أن أعلن والدها عن عزمه خوض السباق إلى البيت الأبيض، هل هي إبنة مانهاتن المؤمنة بأفكار الحزب الديمقراطي ولكنها اضطرت لتحمل العبء الإيديولوجي للولاية ذات الانتماء الجمهوري فقط لتدعم والدها؟ هل هي ناشطة سرية في مجال حقوق النساء تخطط لإحباط أسوأ غرائز الرجال البيض القدامى المتجمعين في المكتب البيضاوي، أم أنها ناشطة في مجال الدفاع عن البيئة تسعى لإنقاذ العالم من ظاهرة الإحتباس الحراري؟ وهل لديها أجندات أخرى؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي هذه الأجندات؟
لا تزال إيفانكا ترمب شفرة غامضة، حتى بعد مرور 100 يوم على تولي والدها إدارة البلاد، فهل يبدو هذا منطقيًا؟ إنها تتمتع بالسلطة داخل البيت الأبيض دون أن تُسند إليها مهمة محددة، وهي واثقة إلى حد بعيد بذاتها الخيرة لدرجةٍ تجعلها غافلةً عن التحديات الأخلاقية التي تواجهها، حتى أنها أنشأت مؤسستها الخيرية الخاصة ونجدها تبحث عن المانحين الأجانب للمساهمة فيها. فهل بات الجواب على سؤال “من هي إيفانكا؟” واضحًا؛ فكل شيءٍ تقريبًا متعلق بسياستها واتجاهها السياسي يشبه إلى حد بعيد نموذجٍ أخر رأيناه من قبل، وتحديًدا في الآونة الأخيرة.
دعونا نستعرض معًا أوجه التشابه بينها وبين هيلاري كلينتون.
لاحظ أن إيفانكا غير متزوجة من زير نساء، بمعنى أنك مثلًا لست مضطرًّا للقلق بشأن بناتك إذا ما رأيت زوجها جاريد كوشنر قادمًا، ولكنها تقوم بنفس الدور الذي كانت تقوم به كلينتون في مسيرة زوجها زير النساء، فقد استطاعت إيفانكا أن تجعل من تواجدها بصفتها عنصر نسائي ضمن الفريق الرئاسي أمرًا تستسيغه النساء. وبالنسبة للنساء ضمن شريحةٍ معينة من الشعب الأمريكي، ممن شعرن بالإحباط من جراء عرض شريط “بيلي بوش”، فإن وجود إيفانكا يتضمن مغزى أن والدها لم يكن يعني ما قاله من كلامٍ مبتذلٍ عن النساء.
سلطة مطلقة داخل البيت الأبيض
قال الرئيس الأمريكي أن إبنته تساعده في الشؤون المتعلقة بالنساء، وقد أعطى لها صلاحيات مُطلقة. ولطالما كان من المعتاد أن نلاحظ تدخل السيدات من قبل في عددٍ محدودٍ من شؤون الإدارة، إلى أن جاءت السيدة الأولى كلينتون، عندها لاحظ موظفو البيت الأبيض اهتمام هذه الزوجة غير المنتخبة بكل صغيرة وكبيرة.
لعلّ إيفانكا لم تصل بعد إلى هذا الحد، إلا أن كل الشواهد تشير إلى أن هذا الأمر في طريقه للحدوث، وخاصة أنها أكثر شخص يمضي الوقت مع الرئيس.
كلاهما ساعدها اقتران اسمها باسم رجلها
هل تتذكرون عندما كانت هيلاري رودهام تحرص على أن تُظهر للجميع أنها ليست مجرد زوجة بيل كلينتون؟ وأنها ذات كيان مستقل هي من صنعته بنفسها، وليس أدل على ذلك من إصرارها على الاحتفاظ بلقب “رودهام” على الأقل إلى أن شعرت بعدم ارتياح الناخبين الرجعيين في ولاية أركنساس من ذلك. إلا إن احتفاظ كلينتون باسم عائلتها قبل الزواج لا ينفي بأي حالٍ من الأحوال حقيقة أنها لم تكن لتتواجد في البيت الأبيض خاصة، وفي المشهد السياسي بصفة عامة لولا زواجها من الرئيس كلينتون. وهو الأمر نفسه بالنسبة لإيفانكا ترمب، والتي لم تُغير اسمها بالتأكيد، بما يشير ضمنًا إلى أنها كوّنت امبراطورتها في مجال الأعمال، والآن وضعها السياسي بفضل العمل الجاد وفقًا للطريقة التقليدية.
مساعدة النساء البائسات على بيع المزيد من السلال
خلال مؤتمر عُقد في ألمانيا، دعت إيفانكا ترمب إلى تمكين النساء في مجال الأعمال على مستوى العالم؛ حيث قالت في إحدى المقابلات: “لقد أثبتت الإحصاءات والنتائج أن استثمار طاقات النساء والفتيات يعود بالنفع على كل من الاقتصاديات المتقدمة والنامية.” وأضافت: “المرأة هي مورد بشري هائل لم يتم استغلاله على الوجه الأمثل، ولا يُمكن لأي دولة أن تحقق النمو المنشود دون استغلال هذا المورد البشري.”
والواقع أن هذا الكلام هو نسخة بالحرف الواحد من الحل الذي ابتدعته كلينتون للتعامل مع قضية التمييز بين الجنسين على أساس اقتصادي. وهو الأمر الذي تم اعتماده خلال مؤتمر دافوس، والذي يعد أحد الأهداف الرئيسية والإنجازات الرئيسية لكلينتون كوزيرة للخارجية الأمريكية. إنها لجأت إلى تشجيع التمكين الاقتصادي للمرأة بدلًا من استخدام منبرها للحديث عن كيفية التصدي للتجاوزات بحق النساء والتي قد تكون مشروعة وموروثة في أماكن مثل السعودية حيث يقيم العديد من المانحين لمؤسسة كلينتون. وعلى خطى هيلاري نجد أن إيفانكا تجنبت التعمق في الحديث عن سبل مكافحة التحيز الجنسي الفاضح الذي يمارسه العرب في منطقة الخليج؛ حيث كانت قد تقدمت هي بعدة مشاريع للتعاون المشترك.
السعي للحصول على تبرعات أجنبية لصالح صندوق خاص
صرحت إيفانكا أثناء تواجدها في ألمانيا أنها بصدد إنشاء “صندوق ضخم”، لصالح رائدات الأعمال من النساء في جميع أنحاء العالم؛ وبوصفه كيان عالمي ناشئ، سيعمل هذا الصندوق على توفير رأس المال الأولي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة المؤهلة لذلك. وسوف يعتمد الصندوق على دعم المانحين الأجانب، وبحسب ما صرح به مصدر مسؤول لوكالة أكسيوس فقد أبدى الكنديين والألمان وعددًا قليلًا من دول الشرق الأوسط استعدادهم للتعاون مع أهداف الصندوق، وكذلك فعلت العديد من الشركات.
في اليوم التالي لقيام الرئيس الأمريكي بضرب قاعدة جوية سورية بـ59 صاروخاً من صواريخ توماهوك، صرح إريك ترمب -شقيق الابنة الأولى-لصحيفة بريطانية قائلاً إنه “متأكد” من أن إيفانكا هي من حثت والدها على شن هذا الهجوم. ومن جانبه لم يؤكد المتحدث الرسمي للبيت الأبيض شون سبايسر هذا الإدعاء أو ينكره، ولكنه قال: “لا شك” أنه كان لها دوراً في إتخاذ هذا القرار.
الجميع يعرف سقطات كلينتون الأخلاقية، بدءاً من فضيحة وايت ووتر إلى مؤسسة كلينتون، ولكن الكشف عن تلك التشابكات لا يزن شيئاً عند مقارنته مع تلك المعضلة الأخلاقية التي تحاصر إيفانكا، من منطلق كونها تحتل حالياً منصب كبير مستشاري البيت الأبيض، بالإضافة إلى أنها على رأس شبكة أعمال متعددة الجنسيات. إيفانكا الآن هي موظفة فيدرالية تعمل بدون راتب، وفي الوقت نفسه تحتفظ بحصتها في فندق واشنطن الذي يمتلكه الرئيس، والذي أصبحت خدماته من فئة الخمس نجوم بالنسبة لكبار الشخصيات الأجنبية وموظفيهم بمثابة تذكرة مرور للحصول على ود الرئيس وصداقته. دعونا لا ننسى أن انخراط الموظفين الفيدراليين بشكلٍ كبيرٍ في المسائل التي يكون لهم فيها مصالح مالية يعد جريمة جنائية. فحتى الآن لا توجد رؤية واضحة حول قدرة إيفانكا ترمب، موظفة البيت الأبيض، على فصل نفسها عن إيفانكا ترمب صاحبة خط الازياء والمجوهرات العالمي، أو حتى تصور لكيفية قيامها بذلك. وبعد أن قامت شركتها بوضع إعلان مؤسف عن كيفية شراء سوار ارتدته إيفانكا في ظهورٍ لها على التلفاز بعد أيامٍ من الإنتخابات، حرصت إيفانكا على التخفيف من هذه الممارسات التسويقية السافرة، ولكن يبقى الواقع هو أنه بينما كانت هي تشارك في اجتماعات مع القادة الصينيين واليابانيين، كانت شركتها تعقد صفقات وتطلق علامات تجارية في تلك الدول.
ومثلما هو الحال مع كلينتون، دائماً ما ينتابنا شعور بأن هناك أشياء لا نعرفها عن إيفانكا، ربما لأن كلتيهما قد مرتا بنفس الموقف المحرج، حيث اضطرتهما الظروف لدعم رجالٍ  طالما عُرف عنهم إتباع سلوك معين مع النساء يمكن وصفه في أحسن الأحوال بأنه مذموم، وفي أسوأها بأنه غير قانوني. ومن الواضح أيضًا أن ترمب مثلها مثل كلينتون تتسم بالحذر الشديد، وربما المبالغ فيه. وقد سبق أن كتبت في صحيفة نيويورك أن أزمة طلاق والديها علمتها أن تكون قوية وصلبة لتواجه تبعات الحياة. وهكذا نجدها في العلن كأنها تضع قناعاً ناعماً، فلم يحدث أن تم التقاط صوراً لها وهي غير متأنقة (على عكس هيلاري كلينتون)، أو صور وفمها مفتوح في منتصف الجملة. وهي تشبه كلينتون أكثر من ناحية إعتمادها على سحر الشخصية وحسن إستماع الجمهور لمواجهة عدم الثقة في قدرتها على حماية الذات، لهذا نجد إيفانكا كثيرًا ما تستخدم حسابها عبر إنستغرام لتعرض صوراً لها بينما هي تقوم بواجباتها كأم وزوجة؛ وذلك للفت الأنظار بعيدًا عن حقيقة تمتعها بسلطات واسعة من خلال منصبها الجديد. وكانت كلينتون كلما فعلت ذلك، زادت معها محاولات الجمهور ووسائل الإعلام إختراق هذا الحاجز. وإلى الآن، ليس واضحاً ما إذا كانت إيفانكا بما تملكه من مهارات استراتيجية على درايةٍ بمثل هذا المأزق المحتمل، أم لا

Facebook Comments

Post a comment