واقع العملات ينبئ بعام حافل بالفقاعات

جون هاردي، رئيس استراتيجيات الفوركس لدى ساكسو بنك

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

نظراً للزخم القوي الناجم عن الإقبال غير العادي على المخاطر في عام 2017، من المفترض أن يكون العام الحالي ديناميكياً وحافلاً بالسيناريوهات الفرعية مع زيادة في التقلبات. نتوقع تراجعاً في قوة الدولار مع اقتراب نهاية العام، ولاسيما بالمقارنة مع الين الصيني. وربما لن يتمكن من الصعود إلا في حال حدوث أزمة ملكية حقيقية تمهد الطريق لهكذا ارتفاع.

وجاء الربع الأخير ليشكل خير خاتمة لحالة الإقبال القوي على المخاطر التي شهدها 2017، وذلك مع تسجيل مؤشري ’ستاندرد آند بورز الأمريكي‘ و’مؤشر مورغان ستانل‘ العالمي أرباحاً بشكل شهري طوال السنة، وجنيهما عوائد بالدولار الأمريكي بلغت نسبتها نحو 20% عن الأسهم التي لا تدر أرباحاً موزعة. وأسفرت أصول الأسواق الناشئة عن ارتفاع ’مؤشر مورغان ستانلي للأسواق الناشئة‘ بمقدار 34.3% محتسباً بالدولار، وذلك بحكم تراوح وضع الدولار بين المحايد إلى الضعيف خلال السنة، علماً بأن الإقبال على المخاطر وضعف الدولار غالباً ما يكونان وجهان للعملة ذاتها، لكن يبقى السؤال حول وجهة العلاقة السببية التي تربط بينهما. كما سجلت البنوك المركزية رقماً قياسياً من حيث زخم الإقبال على شراء الأصول الخطرة، وعلى رأسها المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، والمركزي الصيني (قبل انعقاد المؤتمر العام الـ19 للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر).

وعلى صعيد الفوركس، لم نشهد الكثير من الأحداث أغلب الربع الأخير نظراً لتراجع التقلبات في شتى صنوف الأصول، في حين أمسك المركزي الأوروبي بزمام الأمور بحزم ليّن ليشرف على مسار اليورو (الذي كان محط الأنظار بقوّته طوال العام)؛ ولعل عملات “مجموعة العشرة الصغيرة” هي أهم تطورات الفوركس خلال الربع الأخير إلى جانب القصص المتفرقة واللافتة في آن معاً مثل عودة راند جنوب أفريقيا إلى المشهد؛ حيث كانت العملتان السكندنافيتان ودولارات السلع الثلاثة قد بدأت الربع السابق في وضعية ضعيفة ووصلت إلى القاع، لكنها ما لبثت أن عادت للصعود بدرجات متفاوتة مع مطلع العام الجاري. وتتمثل أبرز دوافع هذه العملات في حالة “الارتفاع العالمي المنسق” (الذي كثرت الأحاديث عنه)، والتعافي الذي طرأ على أسعار السلع، والاعتقاد بأن تقارب البنوك المركزية سيشكل دعماً لمعظم العملات أمام تفرّد الدولار، وذلك بالإضافة إلى منهجية الخطى البطيئة التي يتبناها البنك المركزي الأوروبي.

ومن هنا ننتقل إلى الربع الأول من العام الجاري، فبعد الدفعة القوية التي تشكلت العام الماضي والبداية الرائعة للأيام الأولى من 2018، أخذ الكثيرون يتساءلون عمّا قد يضع حداً لحالة المخاطر السائدة، والتي تدعى بـ”فقاعة كل شيء”. وعند النظر إلى الأمام، نرى أننا مقبلون بشكل مباشر على “معاليم معلومة” من المرجح لها أن تنهي حالة الرضا أحادية الجهة المتبقية من 2017 خلال نقطة ما من 2018، سواء كان ذلك خلال الربع الأول أم النصف الثاني من السنة. ويضاف إلى ذلك عدد من الأمور القابلة للتحديد، أو ما يمكن أن نسميه “الأوراق الجامحة” في2018، والذي نتوقع له أن يكون أكثر تقلباً وديناميكية بالمقارنة مع أواخر 2017 التي اتسمت بميل للإقبال على المخاطر مع تراجع في تقلبات الفوركس.ويمكن تلخيص أبرز الأمور التي قد تشكل تحدياً لمسار 2018 في:

التضخم: كان محدوداً للغاية في الربع الأخير من العام الماضي، ما شكل دعماً لحالة الإقبال على المخاطر، حتى عندما أبدت البنوك المركزية بوادر تنبئ باعتمادها لسياسات محايدة، ولكن ثمة عوامل رئيسية عديدة تشير إلى احتمال كبير لأن نشهد تضخماً خلال النصف الأول من 2018، مثل الأسعار المدفوعة للمؤشر الصناعي الصادر عن معهد الموارد الأمريكي (US ISM)، ومقياس التضخم الذي وضعته إدارة الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ويتمحور السؤال الأهم حول مدى هذا التضخم، وأي البنوك المركزية ستشعر فجأة بأنها تخلفت عن الركب؛ فإذا كان التضخم محدوداً خلال الربع الأول مع اقتصار ما ستشهده السوق على ترقيات المسارات المتوقعة من بنوك مركزية عديدة، سيعني ذلك إمكانية أن يتواصل مسار 2017 خلال الربع الحالي أو أكثر، وذلك مع ارتفاع ملموس في السلع وعملات الأسواق الناشئة، بالتوازي مع ضعف في الدولار الأمريكي. ومن المتوقع أن تدخل الأصول العالمية بشكل عام في حالة من التقلب إذا تسارع التضخم بشكل حاد في الولايات المتحدة (وهناك العديد من المؤشرات الواضحة التي تنبئ بهذا الأمر)، وإذا بدأ الطرف الطويل من منحنى الأرباح الأمريكي بالصعود بقوة مع ارتفاع موازٍ في توقعات الاحتياطي الفيدرالي (عبر الإقدام على أكثر من 4 خطوات لرفع أسعار الفائدة خلال السنة)، علماً أن حالة ازدياد التقلبات هذه ليس بالضرورة أن تشكل دعماً للدولار الأمريكي، وإنما قد تكون أقل دعماً للإقبال على المخاطر والعملات الحساسة للمخاطر، ومن المرجح عندها أن يكون الين الياباني من كبار المستفيدين من هذا المناخ.

المشهد المالي في الولايات المتحدة: تنامى عجز الميزانية الأمريكية في 2017 للسنة الثانية على التوالي، ومن المتوقع له أن يتسع أكثر في 2018 كنتيجة لنقص التمويل، والذي يعزى إلى سياسة الإصلاحات الضريبية العجولة للرئيس ترامب؛ إذ تقدر قيمة العجز المتوقع لـ2018 بـ1 مليار دولار أمريكي، لذا يحق لنا أن نتساءل من سيغطي هذا العجز عندما لا تتراكم احتياطات الفوركس على النحو الذي كانت تتراكم فيه سابقاً؟ هنا بالذات تكمن أهم سلبيات الدولار الأمريكي خلال العام الجاري.

التغيير في سياسات بنك اليابان: في حين يكرر بنك اليابان أسطوانة “لا تغيير في سياساتنا” طوال الوقت، غير أن سلوكياته تشي بأنه آخذ في تقليص حوافزه المالية. ومن المرجح أن يكون هذا التقليص مجرد جزء من سياسة التحكم بمنحنى الأرباح التي تتطلب خفض المشتريات بهدف الحفاظ على أرباح السندات الحكومية اليابانية عند المستوى المنشود لها، ولكن في حال كانت الأرباح العالمية آخذة في الارتفاع، فمن المرجح أن يجد بنك اليابان نفسه مضطراً لغض النظر عن ذلك، ولاسيما عند أخذ قوة الاقتصاد الياباني في عين الاعتبار. وهنا لا بد من الإشارة بشكل خاص إلى أن أي تغيير في الجزء “العلوي” المتعلق بالأرباح البالغ أجلها 10 سنوات في سياسة التحكّم بمنحنى الأرباح قد يدفع بالسوق لتستبق بمراحل أي تغيير في سياسات بنك اليابان، تماماً كما كان حال اليورو الذي اكتسب قوة فائقة خلال 2017 مدفوعاً بالتحول الجذري في سياسات المركزي الأوروبي والتوقعات التي تشير إلى أن التسهيل الكمي شارف على نهايته في الاتحاد الأوروبي.

وبعد التعريج على “المعاليم المعلومة”، نسرد الآن قائمتنا لـ”المجاهيل المعلومة”.

المواجهة التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية: ثمة أحاديث كثيرة عن اعتزام الرئيس الأمريكي المراوغ الانقلاب على الصين في 2018، وذلك انطلاقاً من موقفه الأصلي من الصين، وبما يعكس عدم رضاه عن التقدم المحرز في العلاقات التجارية بين الجانبين حتى الآن، وكل هذا في إطار شعاره “أمريكا أولاً”. وما زال من غير المعلوم كم سيبلغ مدى جدية هذه الخطوة، غير أنه بالإمكان التساؤل عن قصة ’بلومبرغ‘ (التي تم اعتبارها “مزيّفة” من قبل السلطات الصينية) حول تصريحات مسؤولين صينيين أفادوا بأن بلادهم فقدت رغبتها بالولوج إلى الخزينة الأمريكية بسبب مخاوف ذات طبيعة تجارية وتتعلق بالتثمين؛ حيث كانت هذه القصة بمثابة سهم رمته الصين استباقاً لإطلاق ترامب تصريحاته النارية حول التجارة هذا العام. ومن المرجح أن تفضي أي مواجهة تجارية بين العملاقين عن تلاشي كبير لحالة الإقبال على المخاطر السائدة حالياً، وقد تسهم في تعزيز الجهود الصينية لتقليص الارتباط بالدولار، ما قد يؤدي بالتالي إلى زلزلة ركائز التمويل الدولي من أساسها، وذلك بحكم افتقار هذه السوق إلى المرونة والقدرة المطلوبة لامتصاص الأخبار السيئة.

تباطؤ النمو: سجل العديد من مسوح النشاط أرقاماً قياسية أو شبه قياسية خلال الربع السابق، بدءاً من مؤشر مديري المشتريات (PMI) في منطقة اليورو، ووصولاً إلى المسح الصناعي الصادر عن معهد الموارد الأمريكي (ISM)، بالإضافة إلى العديد من المسوح الهامة في الصين أيضاً، ولكن بالمقابل ثمة انهيار في الدافع الائتماني، وتشير قوانين آلية “العودة إلى المتوسط” (Mean Reversion) – ولاسيما عندما نأخذ بعين الاعتبار قدرة البيانات على مواصلة تقديم المفاجآت ذات الطبيعة الصاعدة- إلى أن الزخم سيتباطأ بالربع الأول، ولو كان الوقت مبكراً بعد على دق ناقوس الإنذار. ومن المرجح لأميركا أن تكون السباقة لدخول المنطقة العصيبة، ما قد يعزز ضعف الدولار وسياسات التقارب بين البنوك المركزية.

الواقع الجيوسياسي: سارت السوق خلال 2017 عكس التيار الجيوسياسي العام في حركة مشوبة بالكثير من المخاوف. ورغم كوننا غير متخصصين في التكهن بالأحداث العالمية، غير أن الواقع الجيوسياسي بوضعه الحالي يقتضي توخي كل الحذر طوال 2018 احتياطاً من اشتعال أي أزمات جيوسياسية، بما يشمل مواضيع عديدة أبرزها سياسة التجارة الأمريكية (انظر أعلاه)، والعلاقات الغربية مع روسيا، ومستقبل سوريا، وقضية كوريا الشمالية، وأوضاع فنزويلا. وكما نرى من هذه القائمة، ثمة احتمال لانفجار أي من هذه المواضيع في أي لحظة، ما قد يخرج الأسواق عن مساراتها ويحرفها إلى وجهات مختلفة (ارتفاع أسعار النفط في بعضها، وحالة عامة من انعدام الإقبال على المخاطر في بعضها الآخر، أو الاثنين معاً).

الجنيه الاسترليني/البريكست: يمثل هذا الموضوع أحد أبرز مصادر التقلبات، رغم أن ذلك قد لا يحدث قبل الربع الثاني؛ إذ قد يؤدي فشل مفاوضات البريكست إلى نشوء حاجة لإجراء انتخابات بريطانية جديدة، ما سيفرض على الأحزاب في المملكة المتحدة أن توضح وجهة نظرها من “البريكست الصعب، أو ربما المستحيل”، ولاسيما حزب العمال وعلى رأسه جيرمي كوربين. وفي حين من الصعب التكهن بنتيجة أي استفتاء جديد (في حال إجرائه)، غير أنه قد يؤدي إلى ارتفاع قوي للاسترليني على أمل عودة المملكة المتحدة إلى الحضن الأوروبي، وقد يكشف عن مخاوف حيال مستقبل القطاع المالي البريطاني، وبالتالي يسفر في نهاية المطاف عن تحفيز الاستثمار في البلاد مع اجتذاب دفقات قوية من رأس المال إليها.

نتوقع أن يكون 2018 حافلاً بالديناميكية، ولكننا لا نعرف متى بالضبط ستشهد الأسواق السيناريوهات التي توقعناها، ولربما في الربع الأول. وقد يستعيد الدولار قوته لفترات قصيرة إثر المفاجآت التضخمية الجديدة الأمريكية التي قد تدفع بالاحتياطي الفيدرالي إلى زيادة المعدلات المتوقعة لرفع أسعار الفائدة منذ مطلع 2018، ولكن نتوقع أن يكون الدولار ضعيفاً مع اقتراب نهاية العام، ولاسيما أمام الين الياباني، ومن بعده اليورو والجنيه الاسترليني. وفي حين أن عملات الأسواق الناشئة والعملات التي تنطوي على مخاطر قد تحقق بعض الارتفاع في إطار النمو العالمي، غير أننا نتوقع رياحاً معاكسة في حال تزايد التقلبات بشكل ملموس، وهو أحد افتراضاتنا الرئيسية. ونرى بأن الطريقة المعقولة الوحيدة كي يستعيد الدولار قوته المعهودة تكمن في حدوث نوع من أزمات السيولة عند نقطة ما، وهو الخطر “الهامشي” الحاضر أبداً، ولكنّنا لن نرى ذلك إلا بعد ازدياد احتمال حدوث ارتفاع كبير للقيمة الاستثمارية للأسواق العالمية، وهو مايشكل موضوعاً ساخناً حالياً.

Facebook Comments

Leave a Reply