والدي أغضبني وحطم حلمي

سامي أبو سالم

نيوزويك الشرق الأوسط

كان جيراننا ميسوري الحال، يذبحون الذبائح ويقيمون الولائم في مناسبات غير الزواج أو الوفاة؛ إحتفاءا بضيوف قدموا في زيارة “من الحجاز”، أو ختان طفل، أو “رحمة على روح فلان”. يأتي ضيوف بسيارات فارهة، أحدهم يكون قد وصل للتو من دولة خليجية يرتدي جلابية ناصعة البياض، على الجهة اليسري من منطقة الصدر جيب يظهر من وراء قماشها الرقيق ورقة نقدية غالبا من قيمة العشرين دينارا أردنيا، تكون صورة الحسين ملك الأردن واضحة للعيان (كانت موضة)، وساعة معدنية ذهبية اللون. البعض الآخر ببذلة وربطة عنق ونظارات طبية، لا أعرف لماذا كانت النظارة تعطي (بالنسبة لي) هيبة، ربما لأن مدير مدرستي، أسعد الصفطاوي، وأستاذ مادة الحساب، خليل الأسطل، كانا بنظارات طبية.

أتأمل الضيوف وبذخهم وأسأل نفسي لماذا لا يأتي ضيوف من هذا الطراز إلى بيتنا، ربما لأننا لا نقيم الولائم؟

آنذاك، أواسط الثمانينات، لم يكن بيتنا بعيدا عن مقبرة المدينة التي تتوسط سوق الأربعاء في مدينة خانيونس. يستوطن بابها ضيوف الجنازات الدائمون، رهط من المتسولين الكهول، بعضهم باعاقات بدنية حقيقية أو مصطنعة. كنت دائم التسكع في السوق حفظت وجوه المتسولين عن ظهر قلب، ملابسهم الرثة ولحاهم العثة وأحذيتهم المهترئة وعماماتهم الصدئة. كان هناك أيضا بعض المتسولين، زوار غير دائمين، يظهرون بين الفينة والأخرى، سيما أيام الأربعاء (السوق الأسبوعي)، والخميس (زيارة الأموات في المقبرة- آنذاك). يأتون بنفس الملابس على مدار العام، صيفا شتاء، وبنفس العصي التي يتوكؤون عليها، منهم صاحب القبعة الصوف ذات الزركشات التي تاهت ألوانها بسبب طول بقائها في الشمس أو اللانظافة. ومنهم رجل ذو صوت جهوري، يستأجره الناس لينادي: “يا ناس الحاضر يعلم الغايب في ولد ضايع عمره 4 سنين، حالق عالصفر وعينيه سمرة، لابس بلوزة زرقا وبنطلون … إللي بيلاقيه يوديه على دار أبو فلان عند الجميزات”.

وأخيرا ذبح أبي تيساً، وأقام وليمة “رحمة لروح أختي مريم” التي توفت وهي في الثامنة عشر من عمرها، فرحت كثيرا، فالجلابيات البيضاء ذات العشرين دينارا ستدخل بيتنا وسأمتع نظري بساعات “الذهب”، وستصطف السيارات على باب بيتنا، ربما أعبث بزامورها، والأهم، سأقول لأولاد حارتنا لدينا ضيوف كضيوفكم.

اقترب موعد الغداء، اختفى أبي فجأة ولم يظهر الضيوف، توترت قليلا، وأمي وأخواتي فرغن للتو من خَبز “الشراك” بنار الحطب الذي جمعته من البيارة المجاورة أنا وأخي عادل.

وصل أبي (رحمه الله)، ومعه موكب الضيوف الذين قاربوا العشرين، جميع المتسولين الذين أحفظهم، ضيوف المقبرة الدائمون وغير الدائمين وعدد آخر على شاكلتهم. كفيف يتوكأ على بصير وآخر يتوكأ على عصا غليظة، وهذا الذي يمشي ويقول بصوت جهوري كلاما غير مفهوم واللعاب يتدلّى من وسط شفته السفلى، يتقدمهم هذا الذي اعتدت أن أتأمل طريقته في المشي؛ كان بلا ساقين يسير قعودا بقطعتي خشب يمسكهما بيديه، يرفع جسمه قليلا عن الأرض ثم يدفع به إلى الأمام ثم يمد يديه قليلا إلى الأمام ويكرر الرفع والدفع.

كان أبي قد توجه موعد صلاة الظهر وجمع كل من يعتقد أنهم يستحقون تناول الطعام، المتسولون على باب المقبرة والجامع الكبير وآخرين لا أعرفهم. حتى “نبيل” بائع البليلة، جاء به، هذا البائع الذي كان يرش قليلا من الملح ويرفض أن يرش لي من الشيء الآخر (ربما كمون). كان يضع لنا البليلة في ورق من دفتر مدرسي لا تخلو صفحة منه من علامة “خطأ” باللون الأحمر، “أولاده كانوا سقايط”.

ذهبت أشكو لأمي بغضب مكبوت:

أبوي جايب كل الشحادين اللي في المقبرة والجامع؟ هو عامل الأكل لهدول؟

قالت: رحمة عن روح أختك، هدول فقرا خللي الله يطرح البركة ويتقبل.

لم يهمني الله ولا البركة ولا أختي، كل ما همنى أن بائع البليلة غير فقير، ووالدي أغضبني وحطم أحلامي، فلم أنعم برؤية العشرين دينارا في الجلابية البيضاء، ولا الساعات الذهبية، ولم تصطف السيارات على باب بيتنا بل اصطفت عصي المتسولين بجانب أصحابها.

Facebook Comments

Post a comment