وسائل التواصل في الإمارات قديماً

بحث لطالبة من جامعة زايد عن طريقة تواصل الناس في الإمارات في الماضي

ميره الفلاسي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

نتواصل لنتقارب، نتبادل ما في جعبنا من معارف وعلوم وأخبار بأشكال مختلفة: كلاماً محكياً، أم مقروءاً، تواصلٌ ألوانه متنوعة، وأدواته متجددة، تواصلٌ جذوره ضاربة في التاريخ الإنساني نمت قنواته وتطورت وسائله في الحضارات القديمة. ولأنّ الحاجة أم الاختراع، إبتكرت الشعوب أنظمة مختلفة ترسم بها حضاراتها، من الكتابة المسمارية، أول “خطوط” التدوين في تاريخ الحضارات وأشكال مساميرها المنحوتة، إلى مستحدثات التواصل العصرية، وكأنه حاضرٌ يزيح ماضياً.

تواصلٌ سرّه كبسة زر، بالهاتف الأرضي، بالجوال، بالبريد الالكتروني، بالفيديو، ما همّ! مع طفرة التكنولوجيا وأجهزة تواصلها، أدوات باتت الصديق الصدوق لكل واحد فينا، في قرية عالمية حدودها الفضاء، نتناقل الأخبار عبر القارات والمحيطات في ثوان، هو تواصل يطارد البرق – .Collins, 1976

تاريخ وأصالة

کان الناس في الإمارات المتصالحة وساحل عمان قديماً

قبل ستينات القرن الماضي متشابهين في طرق وأماكن عيشهم، وكان أكثرهم يعيشون في بيوت العريش، وهي بيوت مشيدة من سعيف النخيل وخامات الجريد في أزقة ضيقة بمحاذاة البحر، بيوت سكنوها وسكنت هي قلوبهم.

بيوت تغمرها شبكات من المودة، يتزاورون ويتراحمون

بين أهالي فريجهم، بيوت قلوبها وأبوابها مفتوحة،

يتشاركون العيش أقارب وجيران عوائل واحدة، في المسرّات والمضرّات، في شظف العيش كما في حلاوة الجيرة، موائل عيش مشتركة فيها الجار قبل الدار.

لم يعرف الإماراتيون قديماً أي من أجهزة التواصل، فلا صحف ولا هواتف ولا شبكات عنكبوتية، أخبارهم على ألسنتهم، “أداة” تواصلهم الفطرية. ومن هنا رِمتُ من خلال بحثي العودة بذاكرتنا التراثية إلى سبل التواصل والتفاعل بين أهل الإمارات في الحقبة الزمنية الماضية، في حنين إلى بساطة التواصل التي سادت تلك المرحلة، وتأثيرها في علاقات الناس مع مستحدثات التكنولوجيا. يستمد البحث مصادره من محور عائلتي الإماراتية، من جدّي أولًا، -أمدّ اللّه بعمره أحمد بلحصا يغوص في شبكات ذاكرته وفي تسعينات سنيه، يفضي لي بسيره وقصصه… ومن عمّاتي فاطمة وموزه اللتين أذهب معهما في قنوات زمان إلى “بر دبي” و “ديرة” و “خور دبي”، اللسان المائي الفاصل بينهما ذاك الزمان. ولجدي حكايا عتيقة عن “ديرة” و “الراشدية” حيث نشأ وكبر والتي ما تزال نابضة في تلافيف ذاكرته وثنايا وجدانه، بينما أتلمّس في حديث عمّاتي بصمات المكان في “زعبيل” زمان.

وإلى جانب ذكريات المشافهة، ارتكزت إلى بعض المدونات القديمة من صحف ومقالات قديمة تتحدث عن وسائل التواصل التي عرفتها الإمارات قبل ثورة التكنولوجيا، كما ارتكزتُ إلى بعض الأوراق البحثية التي تناولت المتغيرات الاجتماعية في منطقة الخليج.

المجلس، علوم الدار

هو مركز التواصل والتفاعل، هكذا كان المجلس الذي كان لا يخلو فريج واحد منه، يجتمع الناس فيه بشكل يومي، يتبادلون الأحاديث ويتناقلون أحوال البلاد وأخبار الأهل في الفرجان الأخرى. وكان للمجلس دور إجتماعي واسع، فكان همزة وصل تعارفية ومعارفية بين الشواب والشباب، يجالسونهم ويتشربون من وعاء خبراتهم في الحياة، ويتأصلون من عِبَرهم التراث والثقافة وسمو الخلق. وكان المجلس مركز تواصل أبناء القبيلة، يتشاورون في شؤونهم.

وعن تواصل الأيام الخوالي، تحدثني عمتي فاطمة “عن تجمّع الناس في مجلس عليّة القوم في الفريج”. فكان أهل “الراشدية” مثلًا يتجمعون في مجلس بن سوقات والذي كان أشهر تجّار الفريج. بينما يتجمع أهل “زعبيل” في مجلس الحاكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه اللّه. وكان مجلس الشيخ راشد مشرّعة أبوابه يومياً لكل الناس من مختلف الجنسيات والأطياف الاجتماعية، يستقبلهم بقلب كبير ويكرمهم كرم الضيافة العربية من أطايب الأطباق الشعبية والرطب.

وإلى جانب دوره الاجتماعي، كان للمجلس دور سياسي واجتماعي هام، توطدت فيه عُرى التواصل بين الحاكم وشعبه، يستمع إلى همومهم ويلبي مطالبهم، والأبرز أن الحاكم كان يستشير أهل بلاده في مجلسه في قراراته قبل اتخاذها.

وعن المجلس، يثريني جدي أحمد بأخباره حيث “كان الرجال يجتمعون في المجلس في لقاءات غير رسمية بشكل يومي بعد صلاة العشاء، وتدور الحوارات بينهم حول أحوال السوق والبيع والشراء، وكانت هذه التجمعات هي متنفسهم بعد يومهم الطويل في العمل”. وكانت دلّة القهوة رفيقة السمر، تدور مع فناجينها بين أهل المجلس، ومعها تدور أخبار الدار من اقتصاد وسياسة وأعمال، وأما النساء فكنَّ يتعازمنَ في مجلس بيت إحداهن، في دردشاتهن الصباحية وثرثرات الكلام عن الأهل والجيران في سكك الفرجان المفعمة بروح الإصالة والتراث وبعبق رائحة القهوة الزكية، ويتساعدن في أعمال البيت اليومية، من طهو وطبخ.

وهكذا كان المجلس من أبرز قنوات التواصل اليومية بين الرجال والنساء، قناة تكافل ومودة.

المرسال، زاجل زمان

فيها ينقلون إليهم الأخبار العامة والقرارات الهامة التي كان الحاكم يتخذها ويرغب مشاركة مواطنيه بها. وكما المراسلون، عرفت البلاد “المراسِلات” اللاتي كنّ يتنقّلن بين المعارف والأقارب يتزاورن ويتبادلن أخبارهن وأحوالهن في فرجانهن.

وإذا كان الخبر هاماً لا يحتمل الانتظار، كان “المرسال” يقطع المسافات الطويلة لينقل ما حُمِّل في جعبته بكل أمانة.

يذكر أن جدي سلطان بن سليم اشتهر في دبي زمان “ أنه كان يجول بين الناس يحمل إليهم علوم الدّار، وكانت القوات الإنجليزية تعمل دائمأ على توقيفه”.

وعن طرق التواصل الفطرية، يحدثني جدي عن “إطلاق عدد محدد من الأعير النارية في الهواء، وكان ذلك دلالة على أن في الاجواء أمراً هاماً لا يحتمل انتظاراً. وارتبط عدد الطلقات ببعض المعاني، فكانت ثلاث طلقات في الهواء تحمل خبر موت، وطلقتان خبر هجوم عسكري. وهكذا كان الناس متفقين على “قاموس” طلقاتهم ومعانيها.

الرسائل، مسافات شوق

كان الناس في الإمارات يتنقلون مجموعات على ظهور الجمال يابسةً، وهي القوافل التي كان الناس يعدّون

العدة لرحلاتها الموسمية، أو ظهور المراكب إبحاراً.

وكان الإعلان عن انطلاقة القافلة في الموسم الجديد يبدأ قبل أن تحط القافلة رحالها في موسمها لكل راغب في المشاركة فيها. وكان يتم الإعلان عن رحلات القوافل والمراكب بين مختلف المجالس، والتي كانت وسيلة التواصل الرئيسية آنذاك. وكان المسافرون في القوافل البرية أو البحرية يسلّمون أمانات الرسائل إلى أصحابها في شتى مدن ترحالهم أو مراسيهم. وكان المتلهفون إلى أخبار غيّابهم ينتظرون بكل الشوق الحنين الخطوط، كما كانوا يسمّونها، تحمل مكنونات الشوق، يتنفسون زخرف أحرفها.

المناسبات، فرحة التواصل

كان الناس في الإمارات قبلًا يرصدون الأهلّة في رمضان والعيدين حتى إثبات الرؤية الشرعية بالعين المجردة. وكان أهل ساحل عمان يفقهون علم الفلك، فاعتمدوا حساباته أيضاً.

وكان الناس قديماً يجتمعون حول مسجد الفريج قبيل المغيب لتحري الهلال. فإذا ثبتت رؤيته، يتم الإعلان عنه رسمياً من مئذنة المسجد ليصل الخبر للجميع، يتباركون بقدومه صوماً أو عيداً.

إعلام الأمس، بخط اليد

اهتم أهل الإمارات والجوار قديماً بالتواصل الإعلامي وتوثيقه، وبغياب الطابعات الإعلامية وتقنيات الإعلام الحديثة في الإمارات المتصالحة قبل قيام الاتحاد، شهدت الإمارات ولادة صحيفة “عُمان”، أول صحيفة إماراتية على أرضها، أصدرها رائد الإعلام والثقافة في الإمارات إبراهيم المحمد المدفع في الشارقة عام 1927 ، وكانت تُكتب بخط اليد وتعلّق على الجدران.

وتضمنت صحيفة عمان موضوعات عدة سياسية واجتماعية من المنطقة، وكان المدفع يجمع الأخبار عن دول الجوار من الصحف العربية التي كانت مزدهرة في تلك الحقبة في الكويت والعراق والقاهرة والتي كانت تصله شهرياً.

عُرف المدفع برائد التنوير الإعلامي، وكان وزيراً ومستشاراً لحكّام الشارقة ومن روّاد الحركة الإعلامية مصبح بن عبيد الظاهري أول رائد من روّاد الصحافة في الإمارات بإصداره جريدة “النخي” في العام 1934 .

بدأ الظاهري مشروع أول صحيفة حائط من نوعها عرفتها المنطقة على جدار “مقهى النخي” المتواضع المصنوع من سعف النخيل، في سوق مدينة العين القديم، وكانت الصحيفة عبارة عن قطعة من الورق المقوّى على بقايا ورق كرتون المواد الغذائية أسماه النخي، وكان الناس يتجمعون حول الظاهري يقرأ الأخبار بصوت مرتفع على كل من لم يُجِد القراءة. ومع الوقت، عمل الظاهري على تطوير صحيفته فأشملها

أخباراً اجتماعية متنوعة ومعلومات عن المواليد والوفيات والأعراس، وكان يطّعم أخباره بعض الأحيان بأخبار الأسفار والرحلات والقوافل التجارية البحرية، كما ضمّنها إحصاءً يومياً عن حركة الدخول والخروج من وإلى مدينة العين.

وأمّا الخبر الأبرز، فكان ما كتبه في صحيفته عن آلة الري الدخيلة على قصر الحاكم، المغفور له بإذن اللّه الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان الأول، والتي أحدث جلبها جمهرة واسعة للناس حول قصر الحاكم ليروا بأم العين تلك الآلة الجديدة.

ومع هذا الخبر، قرّر الظاهري نسخ صحيفته، فكان يكتب أخبارها على أكياس ورقية وعلى أوراق الجريد، ويوزعها على الناس والمقاهي الشعبية في سوق العين.

واستمر الظاهري على هذا المنوال ستة عشر عاماً متواصلة. ومع تقدم العصر، ظهرت صحف عديدة في مدن مختلفة من إمارات الساحل المتصالح.

ومع ضعف الخبرات الطباعية آنذاك، كانت الصحف تكتب في دول الساحل المتصالح وتطبع في الكويت وترسل بحراً إلى المدينة المطلوب التوزيع فيها. وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واعياً تماماً للدور الجوهري للإعلام في إبراز دولة الاتحاد، وهكذا، كانت ولادة جريدة “الاتحاد” في 30 أكتوبر 1969، لتكون أول جريدة رسمية تعرفها الإمارات.

وكانت الاتحاد ثمرة جهد متواصل للقائد المؤسس ولسان حال الدولة الفتية. ومع صدور العدد الأول، تم توزيع خمسمائة نسخة مجانية.

هنا دبي، هنا عجمان

بدأ البث الإذاعي في مصر في عشرينيات القرن العشرين وكانت عبارة عن إذاعات أهلية، وبعد ذلك، اشتهرت إذاعة “صوت العرب”، أكثر المحطات المصرية الموجهة للجماهير في الوطن العربي، فكانت صوتهم السياسي والاجتماعي.

عرفت دول الساحل المتصالح افتتاح أول محطة إذاعية فيها، وكانت “صوت الساحل” أول إذاعة محلية تبث من

الشارقة في العام 1962 . وكانت برامجها متنوعة، دينية، سياسية وصحية.

وفي مطلع ستينات القرن الماضي أطلق راشد بن حمدان أول محطة إذاعية خاصة به، وكان يبث من غرفة منزله في عجمان. ومع موجات البث الهوائي، يعود جدي أحمد إلى موجات ذكرياته، ويحدثني عن أول جهاز راديو حط الرّحال في البلاد مع المغفور له بإذن الله، الشيخ سعيد آل مكتوم، والذي أحضره معه من لندن.

ولم يكن الحال ميسوراً عموماً ليشتري الناس هذا الجهاز القادم إليهم من بلاد الغرب، يتجمعون حول جهاز الراديو الذي كان يملكه أحد الميسورين يستمعون إلى صوت حبّات المطر المتساقطة والتي تم تسجيلها في عاصمة الضباب.

كان التجار يشترون أجهزة الراديو من البحرين والكويت والدمام ومن دول الجوار. وكان أصحاب الحظ السعيد

مالكو هذه الأجهزة يتحلقون حول الراديو يستمعون إلى نشرة الأخبار من لندن، تلك المدينة التي لا يعرفون لها مكاناً في ذاكرتهم الجغرافية.

الهاتف، قلبه في دليله

قبل ستينات القرن العشرين لم يكن أمام أهل الساحل المتصالح خيارات للتواصل مع الأشخاص الذين تباعد بينهم المسافات سوى الرسائل البريدية.

ورغم ازدهار النشاط التجاري إلَّا أن التجار كانوا يفتقدون خدمات التواصل مع نظرائهم في الدول الأخرى، وسعى أحد رجال الأعمال، وهو ناصر عبداللطيف السركال، إلى إدخال هذه

الخدمة إلى المنطقة.

وبعد حصوله على موافقة الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي، رحمه الله، وبالتعاون مع المسؤولين البريطانيين آنذاك، قام السركال بتأسيس شركة للهواتف في دبي. وبعد ذلك عرفت دبي أول دليل هاتف عام 1960 ، وكانت الصفحة الأولى فيه تضم أرقام الطوارئ والمستشفيات، يليها رقم قصر الحاكم الذي كان متاحاً للعامة.

وفي العام 1961 وصل عدد المشتركين إلى 500  مشترك في هذه الخدمة الجديدة. ومع التقدم والتطور وتأسيس شركات هواتف مختلفة في كل من دبي وأبوظبي والشارقة، تم الإعلان في عام 1976 عن إنشاء “مؤسسة الإمارات للاتصالات” كمؤسسة حكومية لتوفير خدمات الاتصال على جميع أراضي الإمارات السبع، ولتشتهر بعد ذلك تحت اسم “اتصالات”.

التلفاز، نجم زمانه

تعتبر الكويت أول دولة خليجية تؤسس محطة تلفزيونية رسمية في العام 1961، وكانت محطة لأهل الخليج كلهم. ولاحقاً في عام 1969 أطلقت الكويت محطة إرسال تلفزيونية في دبي أسمتها تلفزيون الكويت من دبي، وكان إرسالها يغطي دبي والشارقة وعجمان فقط.

ومن فكاهة أخبار التلفاز، تحدثني عماتي أن سعر جهاز التلفاز كان غالياً، ولم يكن بمتناول الجميع. فكانوا يجتمعون في بيت أحد مالكيه للتفرج. وفي فترات بعد الظهيرة، كان أطفال الفريج يجتمعون لمشاهدة برامج الكرتون من قنوات البث الكويتية بشكل خاص، وبشكل أقل بكثير للمحطات العربية الأخرى. والطرافة أن النساء كنّ مع انتشار التلفاز في البيوت يتغشين (يغطين وجوههن) أمام الشخصيات التي تظهر على شاشته، ولا يرفعنه أبداً طوال فترة المشاهدة.

حنين إلى زمن التواصل

رغم بساطة تقنيات الماضي الإعلامية ونقص الدراية والمعرفة الكافية في وسائل التعاطي الإعلامي، إلّا أّنهم لم ينعزلوا بأنفسهم عن العالم حولهم.

ومع جدي يحلو ختام الكلام، وهو يعود بذكرياته إلى زمن الماضي الجميل، بهدوئه وأمانه، “اليوم ونحن في أماكننا نعرف أخبار العالم، من هنا وهناك… هي شبكات تخترق الفضاء في بعدها.”

Facebook Comments

Leave a Reply