يوتيوب تحاسب أخيراً فيديوهاتها المُضلِّلة

كيت شيريدان

نيوزويك

 

لدى لوي فيليسكي بعض الآراء المثيرة للاهتمام؛ فهو يعتقد في وجود الأشباح، وأن البشر لم يسبق لهم قط أن وصلوا إلى القمر. يسرد فيليسكي، وهو من سكان ملبورن، أستراليا، وجهات نظره على قناته على موقع يوتيوب، “بيتر مانكايند”، والتي تحقق له مكسباً يصل إلى 5400 دولار في الشهر.

لقد تبين أن نظريات المؤامرة مربحة للغاية بالنسبة إلى رواد الأعمال الذين يعتمدون على يوتيوب. قام راين سيلفي الذي يعاني من رهاب الصلع، والبالغ من العمر 18 عاماً من أستراليا أيضاً، بنشر مقاطع فيديو مثل “المدرسة هى جماعة المتنورين” و “دونالد ترمب هو فلاديمير بوتين”. وعلى الرغم من سخريتها، فقد يتم خلط مقاطع الفيديو مع منشورات أخرى متعصبة أو مناقضة أو سرّية في نتائج البحث. يحقق سيلفي أكثر من 7500 دولار شهرياً في المتوسط ​​من الإعلانات التي يشاهدها بعض المشتركين على قناته، والبالغ عددهم 628 ألف مشترك.

يوتيوب يقدم أيضاً حزمةً؛ إذ يذهب حوالي 55 في المائة من المال الذي تدفعه الشركات لوضع إعلانات مدتها 30 ثانية في بداية مقاطع الفيديو الشهيرة إلى منشئي المحتوى. والباقي يذهب إلى ألفابيت، الشركة الأم للموقع؛ فقد سجلت إيرادات أكثر من 110 مليار دولار في عام 2017 (زيادة عن 90 مليار دولار في العام 2016). وجاء 90٪ تقريباً من هذا الرقم من الإعلانات، وكان منهم عدد متزايد من يوتيوب.

تم إنشاء يوتيوب في عام 2005، وهى منصة محتوى فيديو المهيمنة على الإنترنت. يشاهد الأشخاص في جميع أنحاء العالم حوالي مليار مقطع فيديو تعليمي على الموقع يومياً، ويستخدمه المزيد من الأشخاص باعتباره مصدراً إخبارياً.

لكن تقارير وسائل الإعلام أشارت الى أن موقع يوتيوب يشارك في نشر الأخبار المزيفة والتطرف، وكثيراً ما كان ذلك بسبب مقاطع فيديو نظريات المؤامرة التي تروّج لمعلومات خاطئة. والآن مع وضع فيس بوك تحت رقابة الحكومة وربما مواجهة ضوابط، يتخذ موقع يوتيوب إجراءات لضمان استقامته. وهذا قد يعني نهاية نشاط فيديوهات المؤامرة.

قد يبدو القلق من تلك المقاطع أمراً مبالغاً فيه. خذ مثلاً موضوعاً حديثاً يدعي أن عاصفة جيومغناطيسية في 18 من مارس/ آذار ستؤدي إلى “[تعطيل] الأقمار الصناعية والملاحة بنظام تحديد المواقع العالمي وشبكات الكهرباء في كوكب الأرض”. وقد اتخذت بعض المنافذ الإخبارية هذا البيان على أنه حقيقة إلى أن أنكرت الوكالات العلمية الأمريكية هذا الإدعاء. كان هذا الفيديو مضللاً ولكنه غير ضار في الغالب.

لكن البعض الآخر ربما لعب دوراً في المآسي الأخيرة. الشخص الذي قاد سيارة تجاه المشاة على جسر لندن في يونيو/ حزيران 2017 وطعن زبائن في الحانات القريبة ربما يكون قد شاهد مقاطع فيديو لواعظ سلفي على يوتيوب. وبعد التظاهرة في شارلوتسفيل، فيرجينيا، في آب / أغسطس الماضي من قبل ما يسمى باليمين البديل، سميت مجلة نيو ريببلِك المنصة “القائد العالمي لتفوق الجنس الأبيض”. وبعد إطلاق النار في لاس فيغاس في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وجدت وول ستريت جورنال الخوارزمية التي ترجح أن الفيديوهات التي ادّعت وقوع الحدث كانت روايات كاذبة. وإلى أن تغيّرت خوارزمية البحث، ظلت النتائج الخمسة الأولى للبحث عن “إطلاق النار في لاس فيغاس” تتضمن مقطع فيديو يدّعي أن عملاء حكوميين كانوا مسؤولين عن الهجوم.

كتب جوناثان ألبرايت، مدير الأبحاث في مركز تاو للصحافة الرقمية، في مقال له في “ميديوم”: “من واقع خبرتي، في مجال المعلومات المضللة”، “يبدو أن كل الطرق تؤدي في النهاية إلى يوتيوب”.

تقول يوتيوب: إن معالجة المشكلة أمر صعب لأن ما يشكل مؤامرة لا يكون واضحاً دائماً. هل مثلاً تنبؤات عام 2018، والتي تتضمن أن جبل فيزوفيوس الإيطالي سوف يثور ويقتل مئات الآلاف من الناس، تعد من تلك المعلومات المضللة؟ وماذا عن شاين دوسن، الذي ينشر مقاطع فيديو على قناته بشكل روتيني، لكن دون أن يتبنى بالضرورة ما يناقشه؟ أحد مقاطع الفيديو التي تفترض، من بين أمور أخرى، أن مخلوقات فضائية قد تكون على صلة باختفاء طائرة الخطوط الجوية الماليزية رحلة رقم 370، بدأ بإعلان بإخلاء المسؤولية يقول: “هذه كلها مجرد نظريات”، و “ليس المقصود منها إيذاء أو الإضرار بأي شركة”.

جزء من المشكلة يتمثل في صعوبة تحديد ما إذا كانت مشاركة ما مؤهَّلة لأن تصنف على أنها هامشية لا أساس لها من الصحة، أم لا؛ ففي غياب تعريف محدد، لا تستطيع خوارزمية يوتيوب تصفية مقاطع الفيديو هذه من نتائج البحث الخاصة بها. هذه مشكلة ألفابيت، التي تخشى أن يؤدي انتشار مقاطع فيديوهات نظرية المؤامرة عبر يوتيوب إلى نتائج عكسية. فقد تؤدي المعلومات الزائفة التي تتسرب إلى قوائم الفيديو الموصى بها إلى دفع العملاء – أي شخص يشاهد مقاطع فيديو يوتيوب – بعيداً. “قد تتأثر علاماتنا التجارية بشكل سلبي عن طريق استخدام منتجاتنا أو خدماتنا لنشر المعلومات التي تعتبر مضللة”، كما جاء في التقرير السنوي لألفابيت لعام 2017.

ومع ذلك، يحفز الموقع منشئي المحتوى لأن يحوموا بالقرب من حافة الآراء المتطرفة لأنها تجذب المستخدمين للمشاهدة. فها هو الفيديو الخاص بدوسون عن الطائرة المختطفة قد جمع 8 ملايين مشاهدة، ويُقَدًر أن يربح من ذلك – هو وألفابيت – آلاف الدولارات. يشير الغو ترانسبارنسي، وهو موقع ويب يتتبع مقاطع الفيديو التي يوصي بها يوتيوب إلى الزوار، إلى أن البحث عن عبارات “هل الأرض مسطحة أو مستديرة؟” أو “حقائق اللقاحات” في فبراير/ شباط أدت إلى مقاطع فيديو تدعي أنها تظهر “إثباتاً بنسبة 100%“ أن الأرض مسطحة أو دليلاً على أن اللقاحات تسبب مرض التوحد، ثمانية أضعاف أكثر من ظهور ​​مقاطع الفيديو العادية التي تخلو من نظريات المؤامرة في مواضيعها. وعندما بدأ فيليسكي في إنتاج مقاطع فيديو من نوع نظرية المؤامرة، تلقى عدداً أكبر من المشاهدات – ومالاً أكثر – مقارنةً بتلك التي ركزت على الطب البديل والموضوعات الصحية.

لدى يوتيوب الآن بعض وجهات النظر الراديكالية الخاصة بها. ففي يناير/ كانون الثاني، أعلن الموقع أن مقاطع الفيديو حوْل مواضيع مثيرة للجدل مثل “كيمتريلز” (وهى الخطوط المكثفة التي تتركها الطائرات خلفها والتي يعتقد البعض أنها مواد كيميائية خطرة) لن تكون مؤهلة بعد الآن لعرض الإعلانات. وفي وقت لاحق من هذا العام، ستظهر لوحات تصاحب أي فيديو يدور حول موضوع محاط بنظريات المؤامرة، مثل الهبوط على سطح القمر أو اغتيال جون كنيدي. ستحتوي هذه النوافذ المنبثقة على معلومات تكميلية من مصادر خارجية مثل ويكيبيديا ومواقع ويب أخرى من نوع الموسوعات (رفضت الشركة تسمية مصادر أخرى محتملة).

فيليسكي لا يصبو إلى هذا التغيير. فكما يراه، فإن اللوحات المستندة إلى الموسوعة سوف تشوّه ما يعتبره الكثيرون وجهات نظر مشروعة، حتى وإن كانت مثيرة للجدل، حول مواضيع مهمة. ويقول: “لا أعتقد أنه من المنصف تماماً أن تجعل موضوعاً ما يبدو ساذجاً فقط لأنه خرج عن الرأي السائد”.

وعلى أي حال، ففيما يتعلق الأمر بالمؤمنين الحقيقيين بنظرية المؤامرة، قد لا تنجح إستراتيجية نشر الحقائق إلى جانب مقاطع الفيديو تلك. يشير جوفان بايفورد، وهو باحث في الجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة، إلى الخلل في استخدام الحجج المنطقية لفضح نظريات المؤامرة. “هذا لا ينجح”، كما يقول. “حجتهم في المقابل ستكون: حسناً، إن هذا هو ما يريدونكم أن تصدقوه”.

Facebook Comments

Leave a Reply