‬أول طبيب عربي يحصل على ترخيص في طوكيو… ‬المصري‭ ‬د. ‬أسامة ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬إبراهيم

 ‬محمد‭ ‬حسن‭ ‬و‭ ‬واتانابي‭ ‬ماهو‭ ‬

‭ ‬nippon.com

تصوير‭ ‬أوتاني‭ ‬كيوهيدي‭ ‬وكوديرا‭ ‬كي

هل‭ ‬تحقيق‭ ‬النجاح‭ – ‬كما‭ ‬يقال‭ – ‬مجرد‭ ‬حظ؟‭ ‬أو‭ ‬أمرٌ‭ ‬نادر‭ ‬الحدوث‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬لمَرَّة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬وغير‭ ‬قابل‭ ‬للتكرار؟‭ ‬الجواب‭ ‬بالطبع‭ ‬لا‭ ‬حيث‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬مجهودٌ‭ ‬شاق‭ ‬وكفاحٌ‭ ‬مُضنٍ‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬نتعرف‭ ‬على‭ ‬قصة‭ ‬شاب‭ ‬عربي‭ ‬أتى‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬الكنانة‭ ‬الخالدة‭ ‬ومهد‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬لتحِط‭ ‬به‭ ‬الرحال‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الساموراي‭ ‬ويحقق‭ ‬حلمه‭ ‬رغم‭ ‬الصعاب،‭ ‬ويصبح‭ ‬طبيب‭ ‬عيون‭ ‬ممارسا‭ ‬المهنة‭ ‬مع‭ ‬أقرانه‭ ‬من‭ ‬اليابانيين‭ ‬بمستشفى‭ ‬جامعة‭ ‬طوكيو‭ ‬العريقة‭.‬

ولد‭ ‬أسامة‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬إبراهيم‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬١٩٨٢ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭. ‬

بعد‭ ‬تخرجه‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬جامعة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬وحصوله‭ ‬على‭ ‬رخصة‭ ‬مزاولة‭ ‬المهنة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬جاء‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭ ‬عام‭ ‬۲۰۰‮٧‬‭. ‬

التحق‭ ‬بعد‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬طوكيو‭ ‬بكلية‭ ‬الطب‭ ‬جامعة‭ ‬كيئو‭ ‬لدراسة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬لاحقا‭ ‬عام‭ ‬۲۰۱۱‭. ‬

انخرط‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬وتعلم‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية‭ ‬واضعا‭ ‬نصب‭ ‬عينيه‭ ‬هدف‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ترخيص‭ ‬مزاولة‭ ‬مهنة‭ ‬الطب‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬الذي‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬تحقيقه‭ ‬عام‭ ‬۲۰۱‮٦‬‭ ‬ليصبح‭ ‬الطبيب‭ ‬العربي‭ ‬الوحيد‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬التصريح‭ ‬في‭ ‬طوكيو‭. ‬ويعمل‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬جامعة‭ ‬طوكيو‭.‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أنّ‭ ‬طريق‭ ‬النجاح‭ ‬طويل‭ ‬وشاق‭ ‬ومحفوفٌ‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الصعاب‭ ‬والعثرات‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬لكنه‭ ‬يبدأ‭ ‬وبكل‭ ‬تأكيد‭ ‬بخطوة‭ ‬واحدة‭ ‬ليتحقق‭ ‬حلم‭ ‬كبير‭ ‬وأمل‭ ‬دافئ‭. ‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المقابلة‭ ‬نتناول‭ ‬قصة‭ ‬الشاب‭ ‬المصري‭ ‬أسامة‭ ‬إبراهيم‭ ‬الذي‭ ‬أنهى‭ ‬دراسة‭ ‬الطب‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬وحصل‭ ‬على‭ ‬وظيفته‭ ‬وكان‭ ‬لديه‭ ‬طريقا‭ ‬سهلا‭ ‬للعمل‭ ‬والحياة‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬وسط‭ ‬أهله،‭ ‬لكنه‭ ‬أثر‭ ‬المضي‭ ‬قدماً‭ ‬وجاء‭ ‬إلى‭ ‬طوكيو‭ ‬بروح‭ ‬يملؤها‭ ‬التحدي‭ ‬وإيمان‭ ‬لا‭ ‬يتزعزع‭ ‬بقدراته‭ ‬وبأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مستحيل،‭ ‬حاملا‭ ‬في‭ ‬جعبته‭ ‬أحلاما‭ ‬بحجم‭ ‬الأهرامات‭ ‬المصرية‭ ‬الخالدة،‭ ‬ليبدأ‭ ‬رحلته‭ ‬في‭ ‬اليابان‭.‬

رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الذات

–‭ ‬لماذا‭ ‬اخترت‭ ‬اليابان‭ ‬وليس‭ ‬مكاناً‭ ‬آخراً؟

في‭ ‬الواقع‭ ‬يتوجه‭ ‬عدد‭ ‬لابأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬للعمل‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬يتوجه‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬إنجلترا،‭ ‬ولكن‭ ‬القسم‭ ‬الأكبر‭ ‬منهم‭ ‬يذهب‭ ‬للعمل‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭ ‬مثل‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقطر‭. ‬ولربما‭ ‬يرجع‭ ‬ذلك‭ ‬لعدة‭ ‬عوامل‭ ‬منها‭ ‬قرب‭ ‬المسافة،‭ ‬وتشابه‭ ‬نمط‭ ‬الحياة،‭ ‬والمرتبات‭ ‬المرتفعة‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬وكذلك‭ ‬عاملي‭ ‬اللغة‭ ‬والدين‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬السهل‭ ‬والواضح‭ ‬متاحا‭ ‬أمامي‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭.‬

ونظرا‭ ‬لكوني‭ ‬شغوفاً‭ ‬باستكشاف‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬كنت‭ ‬دائما‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬القدوم‭ ‬لليابان‭ ‬لاسيما‭ ‬منذ‭ ‬كنت‭ ‬أمارس‭ ‬رياضة‭ ‬الكاراتيه‭ ‬وأطالع‭ ‬بشغف‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬نهضت‭ ‬من‭ ‬الركام‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬

لكن‭ ‬كنت‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬يبدو‭ ‬أمراً‭ ‬مستحيلاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬تقدمت‭ ‬باستقالتي‭ ‬من‭ ‬وظيفتي‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬

وتوجهت‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭ ‬لأطارد‭ ‬حلمي‭ ‬في‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬أحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ولإشباع‭ ‬نهمي‭ ‬للعلم‭ ‬والدراسة‭.‬

لكن‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬بعد‭ ‬سفري‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬واستقالتي‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدي‭ ‬خيار‭ ‬آخر‭ ‬سوى‭ ‬تحقيق‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أصبو‭ ‬إليه‭ ‬لذلك‭ ‬عملت‭ ‬ودرست‭ ‬واجتهدت‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أوتيت‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬مجهودي‭ ‬سدى‭ ‬ويذهب‭ ‬أدراج‭ ‬الرياح‭.‬

دكتور أسامه أمام مستشفى جامعة طوكيو.

عالم‭ ‬جديد

–‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬اليابان‭ ‬في‭ ‬رأيك؟

منذ‭ ‬أن‭ ‬كنت‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬كان‭ ‬لدي‭ ‬دوماً‭ ‬طموح‭ ‬لاستكشاف‭ ‬العالم‭ ‬والإطلاع‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬ومختلف‭ ‬لأتعرف‭ ‬على‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬كيفية‭ ‬تعامل‭ ‬أولئك‭ ‬الأطباء‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬وأساليب‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬لأتعلم‭ ‬منها‭ ‬وأفيد‭ ‬بها‭ ‬وطني‭. ‬

فقد‭ ‬سافرت‭ ‬أثناء‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬إيطاليا‭ ‬لمدة‭ ‬شهر‭ ‬للتدرب‭ ‬والإطلاع‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬طب‭ ‬جامعة‭ ‬باليرمو‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬تبادل‭ ‬لطلاب‭ ‬الطب‭ ‬لتلقي‭ ‬محاضرات‭ ‬ومشاهدة‭ ‬عمليات‭ ‬طبية‭ ‬وجراحية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬طلبة‭ ‬الطب‭ ‬الذين‭ ‬جاءوا‭ ‬من‭ ‬۲‮٦‬‭ ‬دولة‭ ‬مختلفة‭ ‬لتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأطباء‭ ‬اليابانيين‭ ‬الذين‭ ‬قابلتهم‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أتوجه‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬سياحية‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬البلد‭ ‬ودراسة‭ ‬إمكانية‭ ‬العمل‭ ‬بها‭. ‬

ومنذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬وطأت‭ ‬فيها‭ ‬قدمي‭ ‬أرض‭ ‬اليابان‭ ‬أحببتها‭ ‬وانبهرت‭ ‬بإنجازات‭ ‬شعبها‭ ‬وبالنظام‭ ‬والدقة‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬بها‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬يصعب‭ ‬العثور‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬الملائمة‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬وجدت‭ ‬فيها‭ ‬ميزات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تتسم‭ ‬بها‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬زرتها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬بتاتا‭ ‬بوجود‭ ‬أي‭ ‬تمييز‭ ‬عنصري‭ ‬تجاهي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونها‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬أماناً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ومن‭ ‬أكثرها‭ ‬تقدماً‭ ‬أيضاً‭. ‬

وكذلك‭ ‬تفتح‭ ‬آفاق‭ ‬استكشافات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬ولايزال‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬جديد‭ ‬دائما‭ ‬يثير‭ ‬شغفي‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬حياتي‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬سيما‭ ‬وهنالك‭ ‬الكثير‭ ‬والكثير‭ ‬مما‭ ‬لم‭ ‬أستكشفه‭ ‬بعد‭.‬

–‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬أيامك‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬اليابان؟

بالطبع‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مصاعب‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الياباني‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتقديم‭ ‬الأوراق‭ ‬وعدد‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الواجبات‭ ‬الضرورية‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬اضطررت‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬–‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬أخرى‭ ‬لتوفير‭ ‬بعض‭ ‬النفقات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المنحة‭ ‬الدراسية‭. ‬

فقد‭ ‬عملت‭ ‬كمذيع‭ ‬ومراسل‭ ‬صحفي‭ ‬ومترجم‭ ‬ومدرس‭ ‬لغات‭. ‬وهي‭ ‬خبرات‭ ‬أعتزّ‭ ‬بها‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬أضافت‭ ‬لي‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬

ولا‭ ‬أخفي‭ ‬عليك‭ ‬القول‭ ‬بأنّ‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬مررت‭ ‬بها‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأولى‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬يتوجب‭ ‬علي‭ ‬توفير‭ ‬مصاريف‭ ‬الدكتوراه‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تقارب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬دولار‭ ‬سنويا‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬كبير‭ ‬حتى‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬جامعات‭ ‬أخرى‭. ‬

والجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المنح‭ ‬المخصصة‭ ‬للطلبة‭ ‬الآسيويين‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمنح‭ ‬القليلة‭ ‬للطلبة‭ ‬الأجانب‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭. ‬

وكُنت‭ ‬أخوض‭ ‬الاختبار‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭ ‬حتى‭ ‬وفقني‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬إلى‭ ‬أفضل‭ ‬منحة‭ ‬متوفرة‭ ‬آنذاك‭. ‬

وأمضيت‭ ‬أول‭ ‬عامين‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬شاق‭ ‬بدون‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭. ‬وكانت‭ ‬الأمور‭ ‬صعبة‭ ‬نفسيا‭ ‬بسبب‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الأهل‭ ‬وكذلك‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬إضافة‭ ‬الى‭ ‬الثقافة‭ ‬واللغة‭.‬

الإصرار‭ ‬والعزيمة‭ ‬في‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية

–‭ ‬كيف‭ ‬تعلمت‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية؟

لقد‭ ‬بدأت‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية‭ ‬بعد‭ ‬مجيئي‭ ‬لليابان،‭ ‬فلم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬إنه‭ ‬يوجد‭ ‬حروف‭ ‬الهيراغانا‭ ‬والكاتاكانا‭ ‬والكانجي‭ ‬أيضاً،‭ ‬وبدأت‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬عمري‭ ‬وقتها‭ ‬‮٢٥‬‭ ‬عاما‭. ‬

وقد‭ ‬حاولت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانتساب‭ ‬لمدرسة‭ ‬ليلية‭ ‬لكن‭ ‬العمل‭ ‬والدراسة‭ ‬كانا‭ ‬يستهلكان‭ ‬وقت‭ ‬اليوم‭ ‬بأكمله‭. ‬

ففكرت‭ ‬في‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الحي‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬دروساً‭ ‬لتعليم‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية‭ ‬للأجانب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬متطوعين‭ ‬يابانيين‭ ‬كبار‭ ‬في‭ ‬السن‭. ‬

وقابلت‭ ‬هناك‭ ‬متطوعة‭ ‬يابانية‭ ‬عمرها‭ ‬يناهز‭ ‬الـ‭ ‬‮٦٨‬‭ ‬عاما‭ ‬اسمها‭ ‬يونيدا‭ ‬ويرجع‭ ‬إليها‭ ‬فضل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬إجادتي‭ ‬للغة‭ ‬اليابانية‭. ‬

فقد‭ ‬تقابلنا‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭ ‬وكنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬ونقرأ‭ ‬الصحف‭ ‬اليابانية‭ ‬معا‭. ‬

وشعرت‭ ‬بالاحترام‭ ‬تجاهها‭ ‬عندما‭ ‬علمت‭ ‬أنها‭ ‬بدأت‭ ‬دراسة‭ ‬اللغة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الـ‭ ‬‮٦٠‬‭ ‬واشترت‭ ‬جهاز‭ ‬كمبيوتر‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬للتواصل‭ ‬معي‭ ‬عبر‭ ‬برنامج‭ ‬سكايب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعليمي‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية‭. ‬

وهذا‭ ‬درس‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬اليابان‭ ‬لمن‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬تأخر‭ ‬لتعلم‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬

ولا‭ ‬زلت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬اتصال‭ ‬مع‭ ‬السيدة‭ ‬يونيدا‭ ‬التي‭ ‬أكن‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬الحب‭ ‬والتقدير‭ ‬والاحترام‭.‬

ونظراً‭ ‬لأن‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬اليابانية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬إجراء‭ ‬مقابلات‭ ‬لأطباء‭ ‬أجانب‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تصريح‭ ‬العمل‭ ‬قبل‭ ‬اجتيازهم‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬لامتحان‭ ‬إجادة‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية،‭ ‬فقد‭ ‬أمضيت‭ ‬سنوات‭ ‬وأنا‭ ‬أتساءل‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬نفسي‭ ‬هل‭ ‬ستنجح‭ ‬محاولتي‭ ‬في‭ ‬النهاية؟‭ ‬

ومع‭ ‬الإرهاق‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وصعوبة‭ ‬اللغة‭ ‬كان‭ ‬الإحباط‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬قلبي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬كما‭ ‬كنت‭ ‬أحيانا‭ ‬أقابل‭ ‬أشخاصا‭ ‬يثبطون‭ ‬من‭ ‬عزيمتي‭ ‬بقصد‭ ‬أو‭ ‬بدون‭ ‬قصد‭. ‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬ثبتني‭ ‬في‭ ‬آنذاك‭ ‬كان‭ ‬ثقتي‭ ‬بالله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬فهُوَ‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬أجر‭ ‬من‭ ‬أحسن‭ ‬عملا‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬يدعونا‭ ‬لعدم‭ ‬الاستسلام‭ ‬لليأس‭ ‬أبداً‭.‬

اليابان‭ ‬بلد‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة

–‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬شيء‭ ‬تعلمته‭ ‬كطبيب‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬اليابانية؟

تعلمت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رحلاتي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مستوىً‭ ‬معين‭ ‬موحد‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬المرضى‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬كاليابان‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الاختلافات‭ ‬بين‭ ‬بلد‭ ‬وآخر‭. ‬

لكن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الدقة‭ ‬الشديدة‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬وتجنب‭ ‬الأخطاء‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬يقدم‭ ‬لجميع‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬حالتهم‭ ‬المادية‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬اليابان‭. ‬

فأفقر‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬التي‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬الإمبراطور‭ ‬والقاطن‭ ‬في‭ ‬طوكيو‭ ‬يتلقى‭ ‬نفس‭ ‬العلاج‭ ‬الذي‭ ‬يتلقاه‭ ‬من‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬هوكايدو‭ ‬شمال‭ ‬اليابان‭. ‬

لذا‭ ‬أحاول‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬اكتساب‭ ‬الخبرات‭ ‬الطبية‭ ‬تعلم‭ ‬تحري‭ ‬الدقة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬والعمل‭ ‬كفريق‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬أفراد‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭.‬

في‭ ‬السفر‭ ‬سبع‭ ‬فوائد

–‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أضافه‭ ‬إليك‭ ‬السفر‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬المهني‭ ‬والإنساني؟

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أنا‭ ‬سعيد‭ ‬لأنه‭ ‬أتيحت‭ ‬لي‭ ‬الفرصة‭ ‬للسفر‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬قارات‭ ‬مختلفة‭ ‬والالتقاء‭ ‬بعقول‭ ‬متميزة‭ ‬من‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬

فقدومي‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭ ‬منحني‭ ‬الفرصة‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬وتكوين‭ ‬صداقات‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬ 

واندمجت‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬وتعلم‭ ‬الأساليب‭ ‬الحديثة‭ ‬وإجراء‭ ‬التجارب‭ ‬الجديدة‭. ‬كما‭ ‬توفرت‭ ‬لي‭ ‬فرص‭ ‬مقابلة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الكيمياء‭ ‬والطب‭ ‬والفيزياء‭ ‬ودُهشت‭ ‬من‭ ‬تواضعهم،‭ ‬فكلما‭ ‬نهل‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬عرف‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعي‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭. ‬

وقد‭ ‬أضاف‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬إليّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬العملية‭ ‬وساعد‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيتي‭. ‬وتَعلّمت‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬بإيجابية‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬وكذلك‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬السلبية‭ ‬سواء‭ ‬بالحديث‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬التعامل‭ ‬معهم،‭ ‬فهنالك‭ ‬كلمات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مصدراً‭ ‬لألم‭ ‬ومعاناة‭ ‬الآخرين‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الأمراض‭ ‬تماماً‭.‬

وهناك‭ ‬شيء‭ ‬تعجبت‭ ‬له‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬السفر‭ ‬ومواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدراتك‭ ‬الحالية‭ ‬وعدم‭ ‬الهروب‭ ‬منها‭ ‬يجعلك‭ ‬تتعرف‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬شخصيتك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعلمها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬

وإنّ‭ ‬بداخل‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬منا‭ ‬قدرات‭ ‬متعددة‭ ‬لا‭ ‬يستخدمها‭ ‬عادةً‭ ‬ولكنها‭ ‬تظهر‭ ‬جلية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصعاب‭.‬

الطبيب‭ ‬عربي‭ ‬والمريض‭ ‬ياباني

–‭ ‬كيف‭ ‬يتلقى‭ ‬المرضى‭ ‬اليابانيون‭ ‬فكرة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬طبيب‭ ‬عربي؟

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬كبير‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬

فاليابانيون‭ ‬معتادون‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬فمثلا‭ ‬إذا‭ ‬تأخر‭ ‬القطار‭ ‬بضع‭ ‬دقائق‭ ‬عن‭ ‬موعده‭ ‬فإن‭ ‬العاملين‭ ‬بالمحطة‭ ‬يعتذرون‭ ‬للركاب‭ ‬المنتظرين‭ ‬ويقدموا‭ ‬لهم‭ ‬تفسيراً‭ ‬للتأخير‭ ‬الذي‭ ‬ينجم‭ ‬عادة‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬خارج‭ ‬عن‭ ‬إرادتهم‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬حادث‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬هبوب‭ ‬إعصار‭ ‬ما‭. ‬

كذلك‭ ‬نفس‭ ‬الأمر‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الطبي‭ ‬فالمسألة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬تتعداها‭ ‬لتشمل‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬أيضاً‭. ‬

وأي‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬سواء‭ ‬نتيجة‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬اليابانية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المعلومات‭ ‬الطبية‭ ‬يجعل‭ ‬المرضى‭ ‬يفقدون‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬طبيبهم‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أجنبياً‭.‬

والواقع‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬الأجانب‭ ‬الأوروبيين‭ ‬أو‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬التصريح‭ ‬في‭ ‬اليابان‭. ‬

لذلك‭ ‬تعتري‭ ‬اليابانيون‭ ‬عادة‭ ‬الدهشة‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬عند‭ ‬رؤيتهم‭ ‬لي‭. ‬

ويعتقدون‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أنني‭ ‬نصف‭ ‬ياباني‭ ‬نصف‭ ‬أجنبي‭ ‬ولا‭ ‬يخطر‭ ‬في‭ ‬مخيلتهم‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬طبيب‭ ‬أجنبي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬معهم‭ ‬مثل‭ ‬الطبيب‭ ‬الياباني‭ ‬تماماً‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬مشكلة‭. ‬

وقد‭ ‬يخجلون‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بالسؤال‭ ‬عن‭ ‬أصلي‭ ‬أو‭ ‬كيف‭ ‬أصبحت‭ ‬طبيباً‭ ‬هنا‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يشعرون‭ ‬بالثقة‭ ‬ونتبادل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬التي‭ ‬زارها‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬يتطلع‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬منهم‭ ‬لزيارتها‭.‬

وحتى‭ ‬الآن‭ ‬فإن‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬كان‭ ‬أفضل‭ ‬مما‭ ‬توقعت‭ ‬بكثير‭. ‬

بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬المرضي‭ ‬يصارحونني‭ ‬بأنهم‭ ‬يفضلون‭ ‬التعامل‭ ‬معي‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الأطباء‭ ‬اليابانيين‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬دهشتي‭ ‬وسعادتي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬

وقد‭ ‬يرجع‭ ‬تقبل‭ ‬المرضى‭ ‬لي‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬جامعة‭ ‬طوكيو‭ ‬وهي‭ ‬الجامعة‭ ‬الأفضل‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وآسيا،‭ ‬واليابانيون‭ ‬يكنون‭ ‬احتراما‭ ‬كبيرا‭ ‬وثقة‭ ‬عالية‭ ‬تجاه‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭. ‬

إلا‭ ‬أنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬طالما‭ ‬كنت‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬بلغة‭ ‬سليمة‭ ‬وبطريقة‭ ‬مهذبة‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬سعة‭ ‬المعرفة‭ ‬الطبية‭ ‬فلن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬اليابانيين‭.‬

الدقة‭ ‬والإخلاص‭ ‬في‭ ‬العمل

–‭ ‬كيف‭ ‬يتعامل‭ ‬الأطباء‭ ‬اليابانيون‭ ‬معك؟

لم‭ ‬أشعر‭ ‬بأي‭ ‬تمييز‭ ‬عنصري‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأطباء‭ ‬اليابانيين‭ ‬بل‭ ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الصحيح‭. ‬

فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإنساني‭ ‬كوني‭ ‬أجنبياً‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬علي‭ ‬تكوين‭ ‬صداقات‭ ‬مع‭ ‬زملائي‭ ‬في‭ ‬العمل‭. ‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعمل‭ ‬فهم‭ ‬حريصون‭ ‬جدا‭ ‬على‭ ‬إتقان‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه،‭ ‬وقد‭ ‬يغضبون‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬أقم‭ ‬أنا‭ ‬أو‭ ‬زملائي‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭. ‬

ولا‭ ‬يعتمد‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬كوني‭ ‬أجنبيا‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬

ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتساءل‭ ‬بعض‭ ‬الأطباء‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بمقدوري‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬اليابانيين‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬

كما‭ ‬يتابع‭ ‬الطبيب‭ ‬الأقدم‭ ‬طريقتي‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬على‭ ‬المرضى‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العمل‭ ‬لكنه‭ ‬بعد‭ ‬الاطمئنان‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬العمل‭ ‬يترك‭ ‬المسؤولية‭ ‬لي‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المحتوى‭ ‬الطبي‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تعلمته‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬اليابانيين؟

اليابانيون‭ ‬يتميزون‭ ‬بالدقة‭ ‬والإخلاص‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭. ‬

فبجانب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬قبل‭ ‬وأثناء‭ ‬بل‭ ‬وبعد‭ ‬العمليات،‭ ‬هناك‭ ‬احترام‭ ‬تام‭ ‬لأدمية‭ ‬المريض،‭ ‬خصوصيته،‭ ‬حالته‭ ‬النفسية،‭ ‬والعمل‭ ‬بأقصى‭ ‬جهد‭ ‬على‭ ‬راحته‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬علاج‭ ‬المرض‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬عملية‭ ‬التأهيل‭ ‬البدني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬أثناء‭ ‬تواجدهم‭ ‬بالمستشفى‭ ‬وتقديم‭ ‬المعلومات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محاضرات‭ ‬حول‭ ‬التغذية‭ ‬وطرق‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الصحة‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬طقوس‭ ‬خاصة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الوفاة،‭ ‬حيث‭ ‬تخصص‭ ‬لهم‭ ‬غرف‭ ‬للعزاء‭ ‬توضع‭ ‬بها‭ ‬الزهور،‭ ‬ويسمح‭ ‬لأهل‭ ‬المتوفي‭ ‬إلقاء‭ ‬النظرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬عليه،‭ ‬ويقوم‭ ‬الأطباء‭ ‬والممرضات‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬مسؤولين‭ ‬عن‭ ‬المتوفي‭ ‬أيضاً‭ ‬بزيارته‭ ‬وتقديم‭ ‬الزهور‭ ‬وإلقاء‭ ‬النظرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬عليه‭. ‬

كما‭ ‬يقوم‭ ‬الطاقم‭ ‬الطبي‭ ‬بتقديم‭ ‬التحية‭ ‬اليابانية‭ ‬لوداع‭ ‬الجثمان‭ ‬أثناء‭ ‬نقل‭ ‬المتوفي‭ ‬خارج‭ ‬المستشفى‭.‬

–‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬مواقف‭ ‬عصيبة‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬خلال‭ ‬العمل؟

بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬اعتدت‭ ‬على‭ ‬صوم‭ ‬رمضان‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬الصيام‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬الأصعب‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فقد‭ ‬صادف‭ ‬رمضان‭ ‬توقيتا‭ ‬صعبا‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬أمضي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬من‭ ‬الساعة‭ ‬السادسة‭ ‬صباحا‭ ‬حتى‭ ‬التاسعة‭ ‬مساء‭ ‬بدون‭ ‬راحة‭ ‬وفترة‭ ‬الغداء‭ ‬في‭ ‬الظهيرة‭ ‬لمدة‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة‭ ‬فقط‭. ‬

ونظام‭ ‬العمل‭ ‬صارم‭ ‬بدون‭ ‬أيّ‭ ‬تهاون‭ ‬أو‭ ‬تخاذل‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بحياة‭ ‬المرضى‭. ‬فخجلت‭ ‬أن‭ ‬أطلب‭ ‬منهم‭ ‬تغيير‭ ‬نظام‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬أجلي،‭ ‬وكنت‭ ‬أمضي‭ ‬راحة‭ ‬الغداء‭ ‬في‭ ‬الصلاة‭ ‬حتى‭ ‬انتبه‭ ‬الأطباء‭ ‬الآخرون‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أتناول‭ ‬الطعام‭ ‬مثلهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬شرحت‭ ‬لهم‭ ‬الموضوع‭ ‬سألني‭ ‬المسؤول‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬تلقي‭ ‬معاملة‭ ‬مميزة‭ ‬لأتمكن‭ ‬من‭ ‬الصيام‭ ‬ولكني‭ ‬رفضت‭ ‬وساعدني‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬على‭ ‬إتمام‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬العصيبة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬التعامل‭ ‬من‭ ‬نواح‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬الجديدة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬بعد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التصريح‭ ‬يتوجب‭ ‬على‭ ‬الطبيب‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬بعدة‭ ‬أقسام‭ ‬في‭ ‬الباطنة‭ ‬والجراحة‭ ‬والطوارئ‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الطوارئ‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬اعتدت‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭. ‬

وفي‭ ‬أول‭ ‬ساعة‭ ‬نُقلت‭ ‬إلى‭ ‬القسم‭ ‬مريضة‭ ‬توقف‭ ‬قلبها‭ ‬عن‭ ‬النبض‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬صعبة‭ ‬تتطلب‭ ‬خبرة‭ ‬لإنقاذها‭. ‬

وكنت‭ ‬الطبيب‭ ‬المسؤول‭ ‬عنها‭ ‬وتوقعت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬رئيس‭ ‬الطاقم‭ ‬الطبي‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مسؤولا‭ ‬عنها،‭ ‬ولكنه‭ ‬اختارني‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يُبدي‭ ‬أي‭ ‬تفريق‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬مع‭ ‬رفاقي‭ ‬اليابانيين،‭ ‬وكان‭ ‬يوما‭ ‬شاقا‭ ‬تَطلب‭ ‬مجهوداً‭ ‬طبياً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬وكذلك‭ ‬أساليب‭ ‬تعامل‭ ‬دقيقة‭ ‬مع‭ ‬طواقم‭ ‬الإسعاف‭ ‬ووحدات‭ ‬الشرطة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬لاحقاً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬وشعرت‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬بضغط‭ ‬عصبي‭ ‬شديد‭ ‬وكذلك‭ ‬كم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الملقاة‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الطبيب‭ ‬في‭ ‬اليابان‭.‬

العَدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمساواة

–‭ ‬ما‭ ‬رأيك‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬الياباني؟

إن‭ ‬نظام‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬الياباني‭ ‬يشمل‭ ‬جميع‭ ‬مواطني‭ ‬الدولة‭. ‬حيث‭ ‬يحصل‭ ‬كل‭ ‬فردٍ‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬مستوىً‭ ‬راقٍ‭ ‬ومتساوٍ‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭. ‬

لكن‭ ‬هناك‭ ‬طبعاً‭ ‬نسب‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬وذلك‭ ‬حسب‭ ‬القدرة‭ ‬المادية‭ ‬وطبيعة‭ ‬المرض‭ ‬والظروف‭ ‬العائلية‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬لتوفير‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬المعيشة،‭ ‬والأمر‭ ‬المثير‭ ‬للدهشة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الياباني‭ ‬نفسه‭ ‬خضع‭ ‬لعملية‭ ‬جراحية‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬جامعة‭ ‬طوكيو‭ ‬وهي‭ ‬نفس‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬تتلقى‭ ‬فيه‭ ‬الفئة‭ ‬غير‭ ‬القادرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العلاج‭. ‬

أي‭ ‬أن‭ ‬أعلى‭ ‬طبقة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الياباني‭ ‬تتلقى‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المكان‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أقل‭ ‬الطبقات‭ ‬أو‭ ‬أفقرها‭. ‬

وقد‭ ‬تكرر‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬معي‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬جامعة‭ ‬كيئو‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬أرقى‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬

وقد‭ ‬تلقى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الحالي‭ ‬شينزو‭ ‬آبي‭ ‬العلاج‭ ‬فيها‭ ‬أثناء‭ ‬شغله‭ ‬المنصب‭. ‬

والمستشفى‭ ‬تقدم‭ ‬الخدمة‭ ‬الطبية‭ ‬لكافة‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع‭ ‬بصورة‭ ‬عادلة‭ ‬وعندما‭ ‬أقدم‭ ‬العلاج‭ ‬لمريض‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬غنيا‭ ‬أو‭ ‬فقيرا‭ ‬ولا‭ ‬تختلف‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاج‭ ‬المقدم‭ ‬له‭ ‬حسب‭ ‬وضعه‭ ‬الاجتماعي‭. ‬

وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬يوما‭ ‬ما‭.‬

وهناك‭ ‬اختلاف‭ ‬جوهري‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأدوية‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬فلا‭ ‬يصرف‭ ‬أي‭ ‬دواء‭ ‬ذي‭ ‬مادة‭ ‬فعالة‭ ‬إلا‭ ‬بوَصفَة‭ ‬من‭ ‬الطبيب‭ ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬مواطن‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬الأدوية‭ ‬من‭ ‬الصيدليات‭ ‬بدون‭ ‬استشارة‭ ‬طبية‭. ‬

ويساعد‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الأعراض‭ ‬الجانبية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الاستهلاك‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬وزيادة‭ ‬مقاومة‭ ‬البكتريا‭ ‬للمضادات‭ ‬الحيوية‭ ‬مع‭ ‬الاستعمال‭ ‬غير‭ ‬الرشيد‭ ‬لها‭.‬

في‭ ‬النهاية‭ ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬لمن‭ ‬يقرأ‭ ‬قصة‭ ‬كفاحك‭ ‬في‭ ‬اليابان؟

إن‭ ‬قصص‭ ‬النجاح‭ ‬لها‭ ‬قواعد‭ ‬متشابهة‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬الأهداف‭. ‬فعلى‭ ‬الإنسان‭ ‬أولا‭ ‬تحديد‭ ‬أهدافه‭ ‬بعد‭ ‬دراسة‭ ‬موضوعية‭ ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬خطة‭ ‬للوصول‭ ‬لها‭ ‬وعدم‭ ‬الاستسلام‭ ‬مهما‭ ‬وجهت‭ ‬له‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬ضربات‭ ‬قاسية‭ ‬وتحمل‭ ‬الصعاب‭ ‬بعزيمة‭ ‬لا‭ ‬تَكل‭ ‬ولا‭ ‬تلين‭.‬

والرسالة‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها‭ ‬هذا‭ ‬النجاح،‭ ‬وهو‭ ‬أنه‭ ‬فضل‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬وليس‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬عبقرية‭ ‬ما،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬عادي‭ ‬مثلي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬قدرات‭ ‬إضافية‭ ‬بداخله‭ ‬وتحقيق‭ ‬ما‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬كثيرون‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أمر‭ ‬مستحيل‭ ‬إذا‭ ‬تمتع‭ ‬بالإرادة‭ ‬وعدم‭ ‬الاستسلام‭ ‬وعمل‭ ‬بلا‭ ‬كلل‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تحقيق‭ ‬حلمه‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬دكتور‭ ‬أسامه‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬لماذا‭ ‬تذكرت‭ ‬كلمات‭ ‬بطل‭ ‬الملاكمة‭ ‬الخالد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬كلاي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬”كرهت‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬التدريب‭ ‬ولكني‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭: ‬لا‭ ‬تستسلم،‭ ‬اتعب‭ ‬الآن‭ ‬ثم‭ ‬عش‭ ‬بطلاً‭ ‬بقية‭ ‬حياتك“‮…

فحين‭ ‬تضيق‭ ‬بك‭ ‬السبل‭ ‬وتبدأ‭ ‬تتساءل‭ ‬من‭ ‬داخلك‭ ‬عن‭ ‬جدوى‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬الكفاح،‭ ‬استعن‭ ‬بهذه‭ ‬القصة‭ ‬لتقرأ‭ ‬عن‭ ‬عزيمة‭ ‬الناجحين،‭ ‬ولتدرك‭ ‬معنى‭ ‬الثبات‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬النجاح‭. ‬ثم‭ ‬عاود‭ ‬قراءتها‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر،‭ ‬فالنفوس‭ ‬تهن‭ ‬عزائمها‭ ‬وبحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحفزها‭.‬

Facebook Comments

Leave a Reply