الأقصى يشهد “جمعة الغضب”

رويترز، نيوزويك الشرق الأوسط

عززت إسرائيل إجراءات الأمن في القدس القديمة يوم الجمعة وتأهبت لاحتمال حدوث اشتباكات مع المصلين المسلمين بعد أن قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين عدم إزالة أجهزة الكشف عن المعادن عند مداخل الحرم القدسي.

وتدور مواجهات يوميا بين الشرطة الإسرائيلية التي تستخدم قنابل الصوت وفلسطينيين يرشقونها بالحجارة منذ تركيب الأجهزة عند مداخل الحرم بعد مقتل شرطيين إسرائيليين. فعندما أعيد افتتاح المسجد الأقصى يوم الأحد الماضي، كان قد تم تركيب بوابات إلكترونية للكشف عن المعادن مما أثار غضب السلطات الدينية المسلمة. وقال المسؤولون الإسرائيليون إن هذا إجراء دائم لكن الكثير من المصلين رفضوا المرور عبر البوابات الإلكترونية وفضلوا الصلاة خارج المجمع.

وحثت زعامات دينية وفصائل فلسطينية سياسية المسلمين على التجمع في “يوم غضب” احتجاجا على السياسات الأمنية الجديدة التي يرون أنها تخل بالاتفاقات الحساسة التي تحكم الأمور في الحرم القدسي منذ عقود.

واحتشدت الشرطة الإسرائيلية  بالإضافة لوحدات إضافية لتعزيز الأمن في المدينة القديمة قبل قدوم المصلين لأداء صلاة الجمعة التي ستكون قاصرة على النساء والرجال ممن تتجاوز أعمارهم 50 عاما. ووضعت حواجز على الطرق المؤدية للقدس لإيقاف الحافلات التي تقل المسلمين المتجهين للحرم القدسي.

وقال المتحدث باسم الشرطة ميكي روزنفيلد “تنسق الشرطة من أجل إقامة صلاة الجمعة مع الالتزام بالإجراءات الأمنية في الوقت نفسه”.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد بحث يوم الخميس ٢٠ يوليو، إزالة أجهزة كشف المعادن عند مداخل الحرم القدسي بعد تركيبها في أعقاب هجوم سقط خلاله قتلى الأسبوع الماضي فجر احتجاجات فلسطينية وتهديدات بالتصعيد. وانهالت على نتنياهو يوم الخميس مطالبات بإزالة أجهزة الكشف عن المعادن تفاديا لاشتعال الموقف.

ودعا نيكولاي ملادينوف، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام المتوقفة منذ فترة طويلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى الهدوء. أما البيت الأبيض فحث على تسوية الأمر. ويشارك الأردن، المشرف الرسمي على المسجد الأقصى، في جهود الوساطة أيضا.

وتشهد مداخل الحرم القدسي مواجهات ليلية يومية بين فلسطينيين غاضبين يلقون الحجارة والشرطة الإسرائيلية التي تستخدم القنابل الصوتية لتفريقهم في القدس الشرقية المحتلة منذ تركيب الأجهزة يوم الأحد عند مداخل الحرم القدسي.

وتصاعد حدة التوتر قبيل صلاة الجمعة حيث يتوافد آلاف المسلمين على المسجد الأقصى لأدائها.

جمعة الغضب ورفض للبوابات الإلكترونية

وتعهدت فصائل فلسطينية بأن يكون الجمعة “يوم غضب” ومواجهات مع القوات الإسرائيلية التي وضعت خمسة كتائب في حالة الاستعداد لتعزيز القوات في الضفة الغربية المحتلة.

وطالب رجال الدين المسلمون في المدينة الفلسطينيين على عدم المرور عبر بوابات الكشف عن المعادن وأقيمت الصلاة منذ ذلك الحين على مقربة من أحد مداخل المسجد. ويقول رجال الدين إن الأجهزة تنتهك اتفاقا بشأن الصلاة والترتيبات الأمنية في الحرم.

يرفض الفلسطينيون المرور عبر البوابات الإلكترونية التي يحاول الجيش الإسرائيلي إجبارهم على استعمالها للدخول إلى الحرم الشريف في الأقصى من أجل أداء الصلاة، وبالتالي فهم يُصلّون في الشارع. -رويترز

وأجرى نتنياهو مشاورات أمنية بشأن القضية لدى عودته لإسرائيل من زيارتين لفرنسا والمجر. وقال وزير الأمن الداخلي جلعاد إردان إن من المتوقع أن يتخذ نتنياهو قرارا بشأن القضية خلال الاجتماع المسائي.

وحث وزراء من اليمين المتطرف نتنياهو في تصريحات علنية على الإبقاء على البوابات الإلكترونية لكن تقارير إعلامية إسرائيلية ذكرت أن قادة الأمن منقسمون بشأن القضية وسط مخاوف من توسع الاحتجاجات في القدس الشرقية والضفة الغربية.

وقال إردان في مقابلة مع إذاعة الجيش “رئيس الوزراء يدرس ما إذا كان سيغير موقفه وهذا حقه”. ووصف إردان الأجهزة بأنها إجراء أمني مشروع.

وأغلقت إسرائيل الحرم القدسي يوم الجمعة لأسباب أمنية بعد مقتل شرطيين إسرائيليين على يد ثلاثة مسلحين من عرب إسرائيل قرب المسجد الأقصى في نفس اليوم. وقتلت قوات الأمن المسلحين الثلاثة.

وأعادت السلطات الإسرائيلية فتح المسجد الأقصى يوم الأحد لكنها أثارت انتقادات السلطات الدينية بوضعها أجهزة للكشف عن المعادن على مداخله.

دعوة لمواجهات على حدود غزة

وقال الجيش الإسرائيلي إن فلسطينيا حاول طعن جنديين إسرائيليين في الضفة الغربية يوم الخميس لكنه قتل بالرصاص. ولم يتضح إن كان الهجوم المزعوم سببه التوترات بشأن الحرم القدسي.

ودعا إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) التي تحكم قطاع غزة المتظاهرين الفلسطينيين إلى مواجهات ضد الجنود الإسرائيليين على طول حدود القطاع يوم الجمعة احتجاجا على الإجراءات الإسرائيلية.

وقال هنية في خطاب بثه التلفزيون إن مسيرات يوم الجمعة ستكون “نقطة تحول في معركة تحرير القدس والمسجد الأقصى”

ودعا نيكولاي ملادينوف، مقرر الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام المتوقفة منذ فترة طويلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، للهدوء.

اصابات ومواجهات

وكانت مصادر طبية فلسطينية  قد قالت إن عدة فلسطينيين أصيبوا بجروح عندما اشتبكوا مع الشرطة الإسرائيلية قرب مجمع المسجد الأقصى بعد صلاة العشاء يوم الثلاثاء ١٩ يوليو.

وقال مسؤول في مستشفى إن رجلا واحدا على الأقل يعاني من إصابة خطيرة في الرأس جراء إصابته برصاصة مطاطية من مسافة قريبة لكن متحدثا باسم الشرطة الإسرائيلية نفى استخدام الرصاص المطاطي.

فلسطينيون يمرون عبر حواجز أمنية اسرائيلية في القدس بعد تكثيف هذه الأخيرة الإجراءات الأمنية المتشددة تحسباً لـ “جمعة الغضب.” -رويترز

وقال شهود إن أحد كبار رجال الدين المسلمين أصيب أيضا.

وتزايدت حدة التوتر حول المجمع منذ أن قتل ثلاثة مسلحين من عرب إسرائيل اثنين من الشرطة الإسرائيلية بالرصاص أمامه يوم الجمعة في أحد أخطر الهجمات في المنطقة منذ سنوات.

وقتلت قوات الأمن المهاجمين الثلاثة وأغلقت السلطات الإسرائيلية المجمع لفترة وجيزة.

وقال الهلال الأحمر الفلسطيني إن ١٤ شخصا على الأقل أصيبوا في أعمال العنف يوم الثلاثاء. وأظهر تسجيل مصور نشر على مواقع التواصل الاجتماعي أشخاصا يفرون من اشتباكات وأصوات فرقعات عالية.

وقالت المتحدثة باسم الشرطة الإسرائيلية لوبا سامري إنه بعد انتهاء الصلاة بدأ بعض المصلين في رشق ضباط الشرطة بالحجارة والزجاجات مما استلزم استخدام وسائل تفريق الحشود. وقالت إن ضابطين اثنين أصيبا بجروح طفيفة.

وقال ميكي روزنفيلد المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية إن الشرطة التي تقوم بدوريات منتظمة في القدس القديمة تستخدم قنابل الصوت في الاشتباكات لكنها في المعتاد لا تكون مسلحة بطلقات مطاطية.

ردود عربية مُلفتة

هذا وكانت مصر قد حذّرت يوم الأربعاء ١٩ يوليو من تداعيات ما وصفته بالتصعيد الأمني الإسرائيلي في المسجد الأقصى وطالبت إسرائيل بوقف العنف واحترام حرية العبادة والمقدسات الدينية.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان أصدرته يوم الأربعاء إن مصر تحذر “من خطورة التداعيات المترتبة على التصعيد الأمني الإسرائيلي في المسجد الأقصى، وما ترتب عنه من إصابات خطيرة بين صفوف الفلسطينيين وتعريض حياة إمام المسجد الأقصى فضيلة الشيخ عكرمة صبري لمخاطر جسيمة”.

وطالبت مصر إسرائيل “بوقف العنف، واحترام حرية العبادة والمقدسات الدينية، وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة شعائره الدينية في حرية وأمان”.

فيما قالت مصادر أردنية إن الأردن يضغط على المسؤولين الإسرائيليين لإزالة البوابات الالكترونية التي نصبته إسرائيل على مداخل المسجد الأقصى. وكشف مصدر سعودي لموقع إيلاف أن تدخل ملك السعودية سلمان بن عبدالعزيز لدى الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل ساهم بإعادة فتح أيواب المسجد الأقصى من دون إزالة البوابات الإلكترونية. فيما كشفت صُحُف إسرائيلية أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هاتف نظيره الإسرائيلي لحثّه على عدم إعاقة صلاة المسلمين في الأقصى و “للتعزية بضحايا” ما أسمته تلك الصحف بـ “الاعتداء الإرهابي” الذي حصل الأسبوع الماضي قرب الأقصي وتوفي بسببه عنصران أمنيان إسرائيليين. وناقش إردوغان الأمر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل اتصاله برفلين لحثه على إزالة البوابات الإلكترونية.

في المقابل، كان الرئيس اللبناني، العماد ميشال عون، أوّل رئيس عربي يُدين علنيا ما أسماه ”بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة“ على المسجد الأقصى، يوم ١٥ يوليو.

الرئيس اللبناني العماد ميشال عون كان أول رئيس عربي أبدى إستنكاره علناً لما أسماه بـ “الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة” في الأقصى. -رويترز

ووجه عون رسالة إلى نظيره الفلسطيني محمود عباس، قال فيها إن “الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على حرمة المسجد الأقصى مدانة ومستنكرة وتندرج في إطار مخطط إسرائيلي لاستهداف المقدسات بعد اغتصاب الأرض، في محاولة منها لاستكمال تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في القدس، مستغلة الوضع الدقيق الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط حاليا”. حسبما جاء في بيان صادر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية“.

كما ودعا عون إلى “تحرك عربي جامع وإلى المباشرة بمروحة اتصالات سياسية وديبلوماسية واسعة من أجل إلزام إسرائيل عدم إقفال المسجد أمام المصلين، واحترام القوانين والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان”.

وخليجياً، أعربت دولة الإمارات العربية المتحدة عن إدانتها واستنكارها الشديدين لإغلاق قوات الاحتلال المسجد الأقصى المبارك ومنع إقامة صلاة الجمعة فيه لأول مرة منذ عام 1969 واعتبرت ذلك سابقة خطيرة وعدوانا على المقدسات وحقوق وحرية ممارسة الشعائر الدينية.

و حذرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في بيان من تداعيات مثل هذا العمل الخطير على تقويض الجهود الإقليمية والدولية لإحياء عملية السلام، وانزلاق المنطقة إلى ما لا يحمد عقباه .

و أكدت رفض دولة الامارات أي اعتداء على حق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية في أماكنهم المقدسة بحرية ومن دون أي إعاقات منبهة في الوقت نفسه إلى خطورة أية محاولات لتغيير الوضع القانوني والتاريخي في القدس أو فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي الشريف.

و طالبت الوزارة في ختام بيانها المجتمع الدولي بالتحرك فورا لوقف مثل هذه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة في ظل تجاهل إسرائيل للقرارات الدولية الصادرة بشأن القدس والأراضي المحتلة، ودعت إلى فتح المسجد الاقصى والحرم القدسي الشريف أمام المصلين فورا.