الخيانة مقابل العلاج

 إسرائيل تبتز المرضى الفلسطينيين 

*سامي أبو سالم

نيوزويك الشرق الأوسط

تفتح أمل شبير خزانة فقيدها أحمد، ابن السبعة عشر عاماً، تُخرج ملابسه لتشتمها قطعة تلو الأخرى قبل أن تعيد ترتيبها. تتفقد كتبه وقرطاسيته المرتبة بعناية على طاولة الدراسة.

أحمد حسن شبير، من مدينة غزة، وُلد بتشوهات خلقية في القلب، وكان يتلقى العلاج طيلة حياته في مستشفيات غزة وعند تفاقم حالته كان يتم نقله إلى مستشفيات الضفة الغربية والمستشفيات الإسرائيلية الأكثر تطوراً.

خضع أحمد، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب، ومع اقتراب العملية “الأخيرة” منعه الإسرائيليون من العلاج لأنه رفض أن يعمل جاسوسا لديهم، الأمر الذي أدى إلى تدهور حالته الصحية ووفاته، وفقا لوالدته.

قالت أمل(45 عاماً) والدة أحمد، إن رجل أمن إسرائيلي ساومها هي أيضا لتعمل جاسوسة لصالح إسرائيل مقابل السماح لابنها بمغادرة غزة للعلاج.

في 22 مارس 2016 كانت أمل متوجهة مع ابنها أحمد عبر معبر بيت حانون/ إيرز (الذي يفصل غزة عن إسرائيل) إلى مستشفى “تل هشومير” في تل أبيب بتغطية مالية من وزارة الصحة الفلسطينية.

بعد ساعات من الانتظار طُلبت أمل لمقابلة رجل أمن إسرائيلي للتحقيق بعد أن خضعت لتفتيش قاس “تم تجريدي من كل ملابسي عدا الملابس الداخلية”، قالت أمل.

استعرض الضابط الإسرائيلي نفوذه موضحا أنه بإمكانه تسهيل علاج ابنها في أي وقت وبدون أي عقبات. ثم قالها بصريح العبارة، إنه سيسهّل علاج أحمد مقابل أن تزوده بمعلومات عما يدور في غزة.

“أخرج من درجه صور لأشخاص ومنازل وسألني عن الأشخاص وأماكن اقامتهم وعملهم، ولمن تعود المنازل… لم أجبه عن شيء وابلغته أنني لا أهتم سوى بعائلتي وعلاج ابني”، بحسب ما قالت أمل.

“أخلاقي وديني ووطنيتي تمنعني من ذلك، لن أخون حتى لو توفيت أنا وابني”، قالت أمل لمراسل نيوزويك الشرق الأوسط.

بعد المقابلة التي تأخرت إلى ما بعد عصر ذاك اليوم، قال لها رجل الأمن، بإمكانك التوجه إلى المستشفى الآن، فأبلغته أنها ستعود لغزة لأن العيادة الخارجية في المستشفى تغلق أبوابها الساعة الثانية والنصف، فأبلغها أن تتوجه وستجد أن الأمور هناك على ما يرام.

“حصل أمر غريب، على الرغم من تأخرنا إلا أن طواقم المستشفى كانت بانتظارنا وفتحوا كل أبواب الخدمة، عند التأخير عادة تُقفل الأبواب،” قالت أمل، معبرة عن شكها بوجود تنسيق بين الأمن وجهات ذات نفوذ في إدارة المستشفى.

أُجريت الفحوصات لأحمد وغادر مع والدته المستشفى التي حددت له العملية الجراحية النهائية في العاشر من سبتمبر 2016 وهنا بدأ الابتزاز ومحاولة تجنيد أحمد للخيانة.

يقول آل شبير إنهم تعرّضوا لابتزاز إسرائيلي: المعلومات مقابل السماح لإبنهم أحمد (في الصورة) بإكمال علاجه، وهو أمر رفضته العائلة.

حاول أحمد السفر، ثلاث مرات خلال أربعة أشهر، برفقة والدته لإجراء العملية لكن الإسرائيليون منعوا مروره من المعبر لأنه “تحت الفحص الأمني”.

تقدمت العائلة بشكاوى لمكتب منظمة الصحة العالمية والمركز الفلسطيني لحقوق الانسان وجهات أخرى إلا أنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً. لكن من ثم تم إبلاغ والده أن على أحمد أن يقابل المخابرات الإسرائيلية في معبر بيت حانون بتاريخ 17 نوفمبر 2016.

توجه أحمد وأبوه إلى المعبر، دخل أحمد المقابلة الساعة السابعة صباحا وغادر الساعة الثامنة مساء.

“طلبوا مني أن أكون جاسوسا كي يسمحوا بعلاجي، عرض الضابط عليّ صور شخصيات وبيوت وسألني عنهم،” هذا ما قاله أحمد بعد خروجه من المقابلة كما أبلغنا والده، حسن شبير.

“رفضت وقلت لهم أنا انسان مريض ولا أهتم سوى بدراستي وعلاجي،” قال أحمد لأبيه قبل وفاته” لن أكون جاسوسا حتى لو توفيت، حينها سأموت شهيداً، لا أريد علاجهم.”

“روح إرجع لغزة خلّي غزة تعالجك”، كان هذا الرد النهائي من رجل الأمن الإسرائيلي لأحمد.

تستذكره أمه وتقول إن صحته أخذت في التدهور التدريجي ومحاولات السفر مستمرة والرفض مستمر. في 14 يناير 2017 بدا عليه الانهاك فطلبت منه أن يرتاح لكنه أصر أنه بخير فساعدها في نشر الغسيل وكنس البيت ثم نام.

“الساعة الثالثة فجرا، كان ينام ووجهه ملتفت إلى أخيه على جهتي ورأسه يلامس كتفه، وقد توقفت أنفاسه،” قالت أمه وقد تسللت دموعها لتبلل خمارها.

الناطق بلسان “وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق [الأراضي الفلسطينية” (كوغات)، قال إن طلبات الدخول تفحصها كوغات والجيش وفقا للسياسة المدنية، وإن المسؤول عن منع دخول أحمد هي جهة أمنية.

وأضاف الناطق في رسالة تسلمها مراسل “نيوزويك الشرق الأوسط” عبر البريد الالكتروني أن وحدة كوغات تسلمت عبر وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية [المسؤولة عن التنسيق مع الاسرائييين] في يناير 2017 لدخول أحمد في السادس من فبراير 2017 إلا أن أحمد قد توفي قبل هذا التاريخ.

يُذكر أن كوغات هي مؤسسة تتبع الجيش الإسرائيلي المتحكم في حركة المعابر والحواجز في الأراضي الفلسطينية.

بيد أن حسن شبير، والد أحمد، الذي يعمل محامياً، دحض ما قاله الناطق بلسان كوغات وأكد أن العائلة تقدمت ثلاث مرات وكان دائما يقابل بالرفض على الرغم من استيفاء كل الأوراق الثبوتية القانونية.

“بدا الأمر هزليا ومؤلما، بعد وفاة أحمد بحوالي أسبوعين أبلغونا أن أحمد مسموح له السفر في 6 فبراير،” قال شبير بألم وهو يعرض الوثائق والتقارير الطبية الثبوتية.

وهذا ما أكده مدير دائرة العلاج في الخارج في وزارة الصحة الفلسطينية، الدكتور بسام البدري، في لقائه مع نيوزويك الشرق الأوسط حيث كشف أن وزارة الصحة وفرت تحويلات طبية وتغطيات مالية لأحمد شبير للعلاج في مستشفى “تل هشومير”.

“حصل أحمد على تحويلات من الوزارة في 18 سبتمبر و25 أكتوبر و16 نوفمبر 2016 كلها رُفضت،” قال البدري وهو يعرض الوثائق.

وأضاف أن ما يزيد عن 50% من طلبات مرور الفلسطينيين للوصول للمستشفيات يرفضها الاحتلال، إما رفض أمني أو لا رد بالمطلق. “ويبتز الاحتلال المرضى للعمل كجواسيس سواء شبان أو قاصرين أو نساء،” قال البدري.

يذكر أنه وبحسب منظمة الصحة العالمية في تقريرها “الحق في الصحة” الذي أصدرته في نوفمبر 2016، فإن أوضاع مرضى غزة الذين يحتاجون تصاريح يزداد سوءا بالتدريج منذ بداية عام 2016 وتدنت نسبة الموافقة إلى 44% من مجموع الطلبات.

توفي أحمد شبير، لكن هناك غيره من الحالات المرضية الفلسطينية التي تُعاني في تنقلاتها عبر المعابر والحواجز التي أقامها الجيش الإسرائيلي.

*سامي أبو سالم، صحفي فلسطيني مخضرم ومراسل نيوزويك الشرق الأوسط في قطاع غزة

Facebook Comments

Website Comments

  1. Mohsen Ibrahim
    Reply

    لماذا لم يتوجه هذا المريض للمستشفيات المصرية

Leave a Reply