ترمب يخطط، والأقدار تضحك

بيل باول

نيوزويك

اندلعت الاحتجاجات في مدينة «مشهد» ثاني أكبر المدن الإيرانية؛ حيث اندفع آلاف من المتظاهرين إلى الشوارع يشكون من تردي الحالة الاقتصادية لهذا البلد. كانت المظاهرات غير منظمة وعشوائية إلا أنها سرعان ما انتشرت في أرجاء البلاد وتحولت إلى شيء أكبر حجماً وأكثر عمقاً مستهدفة الرئيس الإيراني نفسه حسن روحاني وقائده الروحي المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

وتعد هذه الاضطرابات هي الثالثة من نوعها خلال العقود الثلاثة الماضية التي شهدت خروج الإيرانيين في حشود ضد نظام الحكم الديني في طهران. تُعد هذه الاحتجاجات هي أكثر الأزمات الخارجية زخماً في فترة رئاسة الرئيس دونالد ترمب. وعندما بدأت كان أسطورة الممتلكات والعقارات في نيويورك في منتجعه في مار آلاغو بولاية فلوريدا يمارس رياضة الغولف ويستمتع بانتصاره التشريعي الوحيد وهو قانون الضرائب الذي وقّعه في 22من ديسمبر/ كانون الأول 2017. ولم يكن مجتمع الاستخبارات والإدارة يتوقعان هذه الفوضى التي دبت في طهران على حد قول أحد مسؤولي الأمن القومي -ممن تحدثوا لنيوزويك- الذي لم يكن مسموحاً له مثل كثيرين غيره بالتحدث بشكل علني حول هذه المسألة.

وكان الشعور الأول الذي راود ترمب هو مساندة هذه الاضطرابات، وبدأ يعمل في الحال وفقاً لذلك؛ حيث غرّد على موقعه الشخصي في تويتر يوم 31 ديسمبر قائلا: « احتجاجات كبيرة في إيران، لقد بدأ الناس يصبحون الآن أكثر إدراكاً لما يحدث في البلاد وينجم عنه سرقة وتبديد أموالهم وثرواتهم على الإرهاب. يبدو أنهم لن يتقبلوا هذا بعد الآن، والولايات المتحدة تراقب الموقف عن كثب فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان».

ولم يكن رد ترمب مفاجئاً. ففي حملته الانتخابية وفي البيت الأبيض حاول ترمب أن ينأى بنفسه عن سياسات الرئيس السابق له باراك أوباما (وهو ما يشبه كثيرا ما فعله باراك أوباما تجاه الرئيس السابق له جورج بوش الإبن). كان ترمب أقل انتقاداً للاتفاقية النووية الإيرانية ولنقص الدعم من قبل إدارة أوباما للمحتجين خلال الثورة الخضراء عام 2009 في إيران والتي بدأت استجابةً لما اعتقده المتظاهرون من أنه قد تمّت سرقة الانتخابات الرئاسية.

“القنابل” الذكية: ماكماستر يمكن أن يقود جهود الإدارة الأمريكية لتحديد العقوبات على شركة إيرانية واحدة مثل إيكو

وجاء الجانب الأصعب بعد تغريدة ترمب الأولية؛ حيث استمر المتظاهرون في مظاهراتهم ، وبدأت الإدارة الأمريكية تفكر فيما إذا كان هناك ما يمكن فعله. ومازال ترمب يجاهد في بحث هذا السؤال بشكل جزئيّ؛ لأنه كان يحاول إصلاح سياسات أوباما تجاه إيران. في أكتوبر/ تشرين الأول حاول الرئيس النيل من مصداقية الاتفاق النووي إلا أنه لم ينسف الاتفاق كلياً، وتنازل عن إعادة فرض العقوبات الذي كانت إدارة أوباما قد رفعتها مقابل إيقاف إيران لبرنامجها النووي.

لقد أراد ترمب أن يقوم الحلفاء الأوربيون للولايات المتحدة بمساعدة طهران على إعادة التفاوض حول أجزاء من الاتفاقية وهو جهد قاومه الأوربيون، والآن يبحث ترمب إلغاء الاتفاقية تماماً ما لم يقدم الكونغرس مشروع قانون يقره الحزبان الديمقراطي والجمهوري إذا أصبحت طهران على مسافة عام من نشر سلاح نووي. وتُغير الاضطرابات التي تقع في طهران من حسابات الإدارة الأمريكية.

فإذا قامت الحكومة الإيرانية بتضييق الخناق على المحتجين بصورة أكبر مما هي عليه اليوم يعتقد البيت الأبيض أن الكونغرس يمكن أن يمرر مشروع القانون الذي تريده الإدارة الأمريكية بسهولة، إلا أن فريق ترمب مستعد أن يرى ما سوف تسفر عنه الأحداث قبل اتخاذ قرار نهائي.

يمثل الاقتصاد أيضاً عاملاً رئيسياً في موقف البيت الأبيض، ففي ضوء المسألة التي أطلقت شرارة الاحتجاجات فإننا بإعادة فرض عقوبات اقتصادية نكون على حد قول مسؤول بوزارة الخارجية «كمن يطلق الرصاص على قدمه» حيث أن إلحاق الأذى بالمواطن العادي الذي اندفع إلى الشارع قد يجعل هؤلاء المحتجين أكثر غضباً، وقد يسمح لإيران أيضاً بتوجيه هذا الغضب تجاهها إلى لوم الولايات المتحدة.

ولتجنب ذلك فإن الإدارة ترغب في إعادة فرض العقوبات التي تستهدف فقط الأناس أو الشركات القريبة من نظام الحكم . وقد بدأت هذه العملية في ديسمبر/ كانون الاول عندما بدأت وزارة المالية في فرض إجراءات ضد سلاح الحرس الثوري الإيراني، تلك الوحدة التي تدخل في زمرة الصفة العسكرية في إيران.

والآن من بين الخيارات الأخرى فإن الفريق المختص بإيران في الإدارة الأمريكية الذي يقوده مستشار الأمن القومي لترمب إتش آر ماكماستر قد يركز على شركة واحدة وهي شركة قابضة يبلغ رأس مالها 95 مليار دولار تُسمى إيكو وهي تمتلك أسهماً في كل شيء بدءاً من البترول والغاز إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية والأرصدة المالية.

وهذه الشركة تابعة في نهاية الأمر لخامنئي القائد الأعلى، وعندما وقّعت إيران الاتفاق النووي قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتخفيف العقوبات ضد شركة إيكو والعديد من الشركات الأساسية في طهران. وبعيداً عن هذا التحرك يرى مسؤولو الإدارة الأمريكية أنهم في حيرة كبيرة، فالنظام الإيراني قد التزم بضبط النفس نسبياً في استجابته للمظاهرات، حيث إنه منذ الخامس من يناير/ كانون الثاني تمَّ قتل واحد وعشرين فرداً معظمهم من المتظاهرين في مناوشات مع قوات الأمن .

ولكن إذا ما استخدمت إيران القوة المفرطة لقمع المظاهرات مثلما فعلت في العام 2009، أو أسوأ، كما فعلت الحكومة الصينية في ميدان تيانانمن في العام 1989، فإن مسؤولي البيت الأبيض يقرّون بأنهم سوف يعاقبون إيران اقتصادياً حتى لو كان ذلك يعني إلحاق الضرر بالمواطن العادي بما في ذلك الطبقة العاملة التي قادت المظاهرات.

الثأر: روحاني وخامنئي غير محبوبين من قِبل ماتيز الذي يستمع إليه ترمب، وسبق له أن خدم في العراق؛ حيث قامت الميليشيات المسلحة من قِبل إيران بقتل وتشويه الجنود الأمريكيين

«إن مسؤولي الإدارة الأمريكية يجب أن يأملوا في ألا يصلوا إلى النقطة التي يقف فيه ما ينبغي أن يقوموا به سياسياً في طريق السياسة الذكية « وذلك على حد قول راي تاكيه محلل الشؤون الإيرانية في مجلس العلاقات الخارجية وهو مركز أبحاث مقره نيويورك.

لقد تجنبت الحكومة حتى الآن أي كلام مرسل عن تغيير النظام، وفي الصيف الماضي شهد ريكس تيليرسون وزير الخارجية أمام الكونغرس بأن البيت الأبيض يؤيد تلك العناصر داخل إيران التي يمكن أن تقود إلى انتقال “سلمي للحكومة”.

وتقول الإدارة أن الاضطرابات تنسجم مع مقولة تيليرسون وتثبت أن العديد من الإيرانيين يتشوّقون لتغيير سلمي في قيادتهم. وتفكر الحكومة في السبل التي يمكن بها مساعدة المتظاهرين على الإبقاء على خطوط الاتصال مفتوحة بما في ذلك تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تيليغرام، وإنستغرام التي قام النظام الحاكم بإيقافها. ولكن فريق ترمب يصرّ على أنهم لا يهدفون إلى قلب الحكومة في طهران؛ فهم كما يقول أحد مستشاري ترمب: «لا يصنعون العراق هنا، ولا ينبغي القلق حول هذا الشأن حيث لا توجد أي رغبة في ذلك».

وقبل الاضْطِرَابَات كانت وزارة الدفاع تحاول البحث عن سبل لمواجهة ما تراه توسعاً إيرانياً في المنطقة، وهو جزء مما تراه الإدارة الأمريكية تحركاً تجاه المساندة التقليدية لواشنطن لحلفائها السنّة في الشرق الأوسط. وفي أوائل شهر ديسمبر/ كانون الأول قام وزير الدفاع جايمس ماتيز – الذي تنحى عن منصبه جزئياً في عام 2012 باعتباره قائداً للقيادة المركزية للولايات المتحدة ؛ لأنه اختلف مع مسؤولي إدارة أوباما حول المسألة الإيرانية-، بسؤال إدارته عن اتخاذ موقف ضد طهران في أماكن مثل اليمن وسوريا والعراق دون التسبب في حرب مباشرة مع إيران.

إن الإدارة الأمريكية ينبغي أن تكون حذرة – كما يرى العديد من المحللين – حيال هذه المعركة التي تدور رحاها حول السيادة الإقليمية، ويرى مركز أبحاث معهد إنتربرايز الذي يقع مقره في واشنطن أن الولايات المتحدة يجب أن تتجنب المسؤولية غير المباشرة حول الوفيّات التي تقع في صفوف مقاتلي إيران الأجانب، فلم تقع إلا أحداث قليلة في التاريخ الحديث، وقد أثارت حفيظة الشعب الإيراني ضد الولايات المتحدة مثلما أثارتها مساندتنا للعراق في حربها التي امتدت لثماني سنوات مع إيران في عقد الثمانينيات. فلو بدأت أكفان الموتى في العودة للوطن واستطاعت الحكومة توجيه اللوم لنا بشكل معقول فإن ذلك سوف يقضي تماماً على لغة حسن النوايا التي ولّدتها مساندتنا البلاغية المنمقة للمحتجين.

إن كلا من ماتيز وماكماستر الوجهين البارزين في محاولة توجيه ترمب خلال هذه الأزمة ليسا أصدقاء لطهران . فقد كان كلاهما في طهران عندما قامت الميليشيات المدربة بواسطة الإيرانيين والقنابل ارتجالية الصنع التي تصنعها إيران بقتل وتشوية أفراد الجيش الأمريكي هناك. وهما باعتبارهما المخططين الرئيسيين لسياسة ترمب في الشرق الأوسط فإنهم يشعرون بأن الفرصة سانحة الآن.

لقد ألقت الحكومة الإيرانية باللوم على فاعلين خارجيين وهي بذلك تعني الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل، ولم تقدم دليلاً على ذلك وليس من المنتظر أن يظهر دليل على ذلك. وهناك قلة خارج الحكومة الإيرانية ترى أن الغضب المنتشر في البلاد قد نمت جذوره من الداخل.

إلا إن أحد شعارات المتظاهرين المتكررة-لمفاجأة النظام-يمكن أن يطلق عليه إيران أولاً، فهم يريدون من حكومتهم أن توقف إنفاقها من موارد وأموال البلاد في مغامرات عسكرية خارجية. وتؤيد الولايات المتحدة هذه الرسالة أيضاً، ويودّ القادة الملتفون حول ترمب أن يروا ما إذا كانت طهران سوف تستجيب لهذه المطالب ، وحتى الوقت الحالي يبدو أن ماتيس وماكماستر يتحكمون في فكر الإدارة حول إيران، ويقوم تيليرسون بإخطار حلفاء الولايات المتحدة بآخر التطورات. وحتى الآن لم يفعل رئيسهم المتقلب شيئاً أو يصدر تغريدة تسيء إلى أحد أو تثير الغضب؛ فبينما اندلعت الاحتجاجات في أوائل يناير بدا أن ترمب أكثر انشغالا بكتاب «النار والغضب» وهو كتاب حول أول عام له في البيت الأبيض يحمل نقداً لاذعاً له . وربما كان ذلك شيئاً جيِّداً رغم أن أحداً من المقربين إليه لا يصرح بذلك.

Facebook Comments

Leave a Reply