رأس المال البشري- عنصر حاسم في نجاح الشركات والأعمال

عبد الله القرق، الرئيس التنفيذي لجموعة ’عيسى صالح القرق‘

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

خلال العقد الماضي، شهدناً تحولاً نوعياً في طرق تعامل المؤسسات والشركات مع القضايا المتصلة بالموارد البشرية. فبشكلٍ عام، كانت مهام إدارات الموارد البشرية تقتصر على تعيين الموظفين والاستغناء عن خدمات بعضهم الآخر، والتحاور معهم بشأن أي فرصٍ محتملة حول زيادة أجورهم. لكن في الآونة الأخيرة، تطور دور الموارد البشرية ليصبح وظيفة أكثر تقدميةً واستراتيجيةً، مما ساهم في بزوغ هيكليات عملٍ تشغيلية ناجحة، ومزيداً من النمو والتطوّر.  

فإلى جانب توظيف المواهب وتوجيه الموظفين الجدد، فإن إدارات الموارد البشرية الناجحة تركز على تدريب وتثقيف الموظفين وتقدير إنجازاتهم، فضلاً عن الاستثمار في إمكاناتهم وخبراتهم بالشكل الأمثل. ويقع على عاتق خبراء الموارد البشرية اليوم مهام ومسؤوليات متعددة، كما أنهم يركزون على رصد مكامن البراعة والخبرات المتنوعة بهدف تلبية احتياجات العمل المتغيرة باستمرار. كما يلتزم هؤلاء الخبراء بدعم الموظفين، ولعب دور الشركاء الاستراتيجيين والوكلاء الداعمين لإحداث التغيير الإيجابي في آنٍ معاً؛ بالإضافة إلى ضمان المواءمة بين قيمة رأس المال البشري وكفاءة وأداء الشركات والأعمال بشكل عام.

وبالتوازي مع سعي الشركات إلى إيجاد طرقٍ جديدة لتحفيز وتيرة تطوّر الأعمال في غمرة مشهدٍ دائم التغيّر، يمكن لاستراتيجيات الموارد البشرية المساعدة على تحقيق الأهداف العامة للشركات والمؤسسات. واليوم، يقترن نمو أعمال الشركات وازدهارها بشكل وثيق مع الدور المهم للكوادر البشرية؛ حيث ستقصي الشركات التي تتجاهل هذه القضية المحورية والضرورية في هذا العصر نفسها خارج دائرة المنافسة في قطاعات عملها.

ويمثل الموظفون شريان الحياة لاستمرار عمل الشركات؛ فهم يعتبرون من الأصول الأساسية والأكثر قيمة من خلال ولائهم وتفانيهم، ومساهمتهم في تعزيز النمو عبر ضمان أعلى مستويات الإنتاجية، وتركيزهم على منهجيات عملٍ متنوعة وعالية الكفاءة، لاسيما وأن طرق العمل والمهارات والقدرات الجماعية تلعب دوراً رئيسياً في تعزيز الأداء والإنتاجية. إلى جانب ذلك، يسهم التدريب والتطوير والدعم في تعزيز إحساس الموظفين بالانتماء والولاء للشركة التي يعملون لديها، وبأنهم من الاستثمارات الاستراتيجيّة للشركة. ونؤمن بأن مختلف جوانب العمل في الشركات ترتكز بالمقام الأول على الدور الفاعل للموظفين؛ ولا شك أن امتلاك فهمٍ متعمّق حول أهمية هذا العنصر “الإنساني” سيجعل قادة الشركات أكثر قدرة على الإدارة بفعالية وكفاءة، وبالتالي تعزيز شعور الموظفين بالولاء وتحسين الأداء بنهاية المطاف.

 ونذكر فيما يلي بعض التوصيات التي ألتزم بها دوماً عندما يتعلق الأمر بالموارد البشريّة:

  • استقطاب المواهب: لا يزال توظيف المواهب المناسبة أحد أهم وظائف إدارات الموارد البشرية. ومن المهم تحليل خلفيات واهتمامات ومؤهلات المرشحين بغية اختيار الموظفين المناسبين لشغل الأدوار المختلفة. ومن الضروري أيضاً ربط أهداف الكوادر أو مؤشرات أدائهم الرئيسية مع أهداف وتطلّعات الشركة. فالموظفون قد لا يهتمون دوماً بالمكافآت النقدية، خاصة في الوظائف والأقسام التي تتطلب التحلي بإمكانات التفكير التحليلي؛ حيث أن دوافع هؤلاء الموظفين مستمدة من الشعور بالاستقلالية في العمل وتحقيق الأهداف بالشكل المطلوب. وأعتقد في ضوء خبرتي السابقة أن مستويات الأداء والإنتاجية ستتحسن عندما يدرك قادة الشركات أهمية العوامل التي تشجع الموظفين في العمل، والالتزام بتوفير الأدوات الضرورية للنجاح. وفي هذا السياق، نحن نعتقد بمبدأ “الموظفون أولاً”، وقد ساعدنا ذلك على توظيف أفضل الكوادر والحفاظ عليهم في القطاعات التي نعمل فيها، والاستفادة على أوسع نطاق من خبراتها ومواهبها.
  • برامج توجيه الموظفين: إن مسألة توجيه الموظفين الجدد تتخطّى مجرد تزويدهم بعناوين البريد الإلكتروني، وتوزيع كتيبات الموظفين، وشرح الإرشادات العملية. ويجب أن تدرك الشركات أن توجيه الموظف ليس مجرّد “لفتةٍ أو إيماءة” بسيطة فحسب، وإنما حجر الزاوية للاندماج في ثقافة الشركة وتفهّم أخلاقيات ومبادئ عملها. ويمكن لبرامج التوجيه ذات التنظيم الجيّد تقليل المخاوف وتعزيز المواقف والسلوكيات الإيجابية، فضلاً عن ترسيخ مشاعر الرضا الوظيفي والحد من الارتباك والتذمّر.
  • التسلسل التنظيمي: ثمة هناك تحول نوعي آخر في وجهات العمل والشركات، وهو الانتقال من النموذج الهرمي والانفرادي والتدريجي إلى بيئة أكثر شفافية وتكاملاً وتركيزاً على النمط المجتمعيّ. إذ يتوجب على قادة الأعمال والشركات اليوم لعب دور المؤثر والملهم في آنٍ معاً، كما أن اتباع منهج عملي يعتبر أمراً حاسماً لرصد تطوّر العمل، ولكن الثقة تبقى عنصراً مهماً لتمكين ودعم الشركات، وإلهام فرق عملها الداخلية على الازدهار والتطوّر.  
  • جيل الألفية في أماكن العمل: يشكل جيل الألفية تحدياً قوياً للوضع الراهن في أماكن العمل الحديثة. فحيث أن الأجيال السابقة كانت نادراً ما تشكك أو تستفسر حول عمليات التعيين، ولكن الجيل الأصغر يهتم عادةً بمجموعة من التوقعات والأولويات الخاصة بهم. وهناك حاجة ماسّة أكثر من أي وقتٍ مضى اليوم إلى رسم ملامح جيدة لآليات إدارات الموارد البشرية بما يتناسب مع تغيّر ثقافة العمل. ونحن نؤمن بضرورة تفعيل مشاركة جيل الألفية من خلال برامج متخصصة  تعزز مفاهيم المتعة في أماكن العمل وتحتفي بالنجاحات والإنجازات الجماعيّة، ما يسهم في ترسيخ المزيد من التعاون والمرونة داخل الشركة. وتشجع هذه البرامج الموظفين على إعادة ابتكار وإثراء حياتهم العملية وبالتالي تحقيق الازدهار في سوق تتسم بالتنافسية الشديدة. 

وبصرف النظر عن قطاعات عمل الشركات، يبقى العنصر البشري عنصراً حاضراً ومهماً بشكلٍ دائم وعلى نطاقٍ واسع. ويتوجب على الشركات التركيز أكثر من أي وقت مضىٍ على مواءمة استراتيجيات الأعمال ورأس المال البشري لبلوغ أعلى مستويات النمو؛ إذ أنّ الشركات التي تتجاهل فرص بناء وتطوير المواهب ستتأخر في مساعيها نحو تحقيق التميز والنجاح.

Facebook Comments

Leave a Reply