رمضان الأمس ..واليوم

أمل الحارثي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

مضى رمضان وما زلت أحن إلى ذاك الرمضان القابع في ذاكرتي ، اجتماع العائلة على المائدة معَ صوت المذياع الذي ينساب منه صوت أُمِّ كلثوم تصدع بـأغنية “والرضا والنور” لتُلامس الأرواح وتسكن الأنفس قبل أنْ يناديَ المُؤذّن “الله أكبر”، اللحظات الأخيرة كانت الأكثر تشويقًا، كنّا نستجمع نحن الأطفال ما تبقّى لنا من قوّة في خطّة الانقضاض على الطعام، خطّة تفشل في الدقائق الأولى للإفطار، حيث ما نلبثُ نُدرك أنّ المعدة أصبحَتْ شبه مُمتلئة مِن كأس عصير وصحنِ شوربة.

كانت الحياة بسيطة، غالبًا عند الجميع، بساطتها لا تكمن فقط في بساطة المعيشة بل في هناء الفكر، كُنّا مُلتزمين بالعبادات ولكنّا أيضًا كُنّا مُحبّينَ للترفيه، بعد الإفطار نجتمع غالبًا على الفوازير، نصف ساعة لا أكثر من الترفيه الجميل، دقائق من الراحة والاستجمام بعد نهار من الصوم والتعبُّد، لا تُؤذي أحدًا ولا تمنعُ أحدًا من مواصلة عباداته لاحقًا، أمّا بعد التراويح فموعدنا معَ مُسلسل السهرة، يليها اجتماعات عائليّة تمتدّ إلى وقت مُتأخّر من الليل، يتخلَّلُها قيام الليل، وطبعًا لا يخلو الأمر من غزوات على المطبخ حتّى موعد أذان الفجر. جمال ما في تلك المرحلة هو الرضا عن النفس، فشعورك أنّكَ أدَّيْتَ ما عليك مِن عبادة كانَ يُعطينا سعادة ورغبة في المواصلة.

البساطة كانت تمتدُّ أيضًا لتشمل العلاقات مع البشر، الجيران والأقارب، صحون الأكل المتناقلة بين البيوت، مسلمين ومسيحيّين، عزائم الإفطار البسيطة غير المبالغ فيها التي لا تُثقل كاهل أصحاب البيت ولا ترفع سقوف الضيافة، بينما سقف الترحيب والبشاشة كان دائمًا عاليًا. كُنّا وَسَطِيِّينَ في كلّ شيء، في اللُّبْسِ والتصرُّفات والاستهلاك، لم نتطرّف في أمرٍ على حساب أمر آخر.

 

الإنتاج التلفزيونيّ لم يكُنْ غزيرًا لكنّه كان قيّمًا، لم تكُن المسلسلات التلفزيونيّة للتسلية فقط بل كان فيها من الفائدة ما يفوق ذلك، مسلسلات مكتوبة بعناية من عمالقة كُتّاب السيناريو، وأخرجها أفضل مخرجي الدراما الذين عرفَتْهم التلفزيونات العربيّة، كانت الحلقة جرعةً من التاريخ والتحليل الاجتماعيّ والسياسيّ لحقبات مُهمّة. لقد تعلَّمْنا قيمًا جميلة من الدراما، تعلَّمْنا المروءة والشجاعة على قول الحقّ، كان مِن البديهيّ أنْ يُصبح  بطل المسلسل قدوةً؛ لأخلاقه، وكُنّا لا نُمانع من رؤية المسلسل نفسه أكثر من مرة لروعة الحوار وعُمقه.

 

تغيَّرَ الحال تدريجيا حتى أصبح البلطجيُّ بطلًا في المسلسلات، يقتدي به الناس ويُقلّدونه، اختفت البرامج الدينيّة التي تربط بين العقل والدين، وتلك التسجيلات لشيوخ مخضرمين من حلقات تكتفي بتفسير القرآن بطريقة مُشوّقة وتبتعد عن الفتوى، إلى برامج الفتاوى على الهواء، وبدأت موجة “نجوم الدعوة” الذين غلبت شهرتهم فنّاني التلفزيون والسينما. كُنّا قبلهم نُحكّم العقل في كثير من الأمور ونقرأ، لا أذكُرُ بيتًا يخلو من مكتبة مهما كانت بسيطة، مُنذُ أنْ ظهر الدعاة الجدد أصبح البشر أكثر استسهالًا، يُريدون المعلومة الجاهزة بلا بحثٍ أو تنقيب، يكفي أنْ يُكلِّم أحدهم البرنامج ليحصل على الإجابة الشافية، تجاوزت الاستشارات حدود العقيدة لأمور الحياة، فأصبح الشيخ حلّال المشاكل يفتي في علم النفس وعلم الاجتماع وفي السياسة وفي الاقتصاد بل وتعدى البعض على العلم والطب بدون أي معرفة أو دراسة مسبقة مما ساهم في تجهيل فئة كبيرة من متابعيهم ،  وفيديوهات اليوتيوب مليئة بمحاضرات مُدمّرة تنسف العلم نسفًا وبعضها يستحي العاقل أنْ يُكمله.

ظهور الدعاة ساهَمَ في التبعيّة المطلقة والتسليم للشخوص، تبعيّة تمّ استخدامها لاحقًا لأهداف غير بريئة أما بالنسبة للإعلام الذي ساهم بانتشار هذه الظاهرة فأن الربح المادي هو المحفز والهم الأكبر له ، برامج دعاة أمْ فوازير، هذا لا يعني شيئًا عند القناة، المُهمّ البقاء لمن يجلب المزيد من الإعلانات.

 

تغيَّرَتِ الدّنيا تبعا للمعطيات الجديدة فارتفع سقف الكماليّات والرضا عن النفس وعن الآخرين، بينما هبطت سقوف المحبّة، وتحوّل الكثير من البشر إلى قُضاة يجلدون بعضهم بعضًا وكأنّهم مُترفّعون عن الخطأ، انتشر التديُّن المظهريّ على حساب الأخلاق والقيم، اليوم ونحن نشهد سقوط الشخوص التي تبعها الآلاف، نحتاج للعودة لتحكيم العقل والمنطق والرجوع للقراءة والبحث الذاتيّ، مع إعادة الاعتبار للنّيّة الطيّبة وتغليب المحبّة والقيم الإنسانيّة، نحتاج للعودة إلى أنفسنا، إلى قلوبنا السليمة ، فهناك سنجد ما نبحث عنه من إيمان لا على الشاشات .

وكل رمضان وأنتم بخير

Facebook Comments

Leave a Reply