رواية كافكا على الشاطىء لهاروكي موراكامي: انحطاط أدبي وترويج للإنحراف الجنسي

رانيا محيو الخليلي

روائية وناقدة لبنانية

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

مرة جديدة أقع في فخ شراء كتاب بعد حملة ترويج واسعة له. مرة أخرى أتحمس لقراءة كتاب تحدثوا مطولا عن قيمته الفلسفية والإنسانية والإجتماعية بينما هو مجرد تشويه أدبي لهذه القيم جمعاء.

هاروكي موراكامي كاتب ياباني ذاع صيته مؤخرًا، لا سيّما من خلال رواية “كافكا على الشاطىء”.

مجرد معرفة أنّ الكاتب ياباني حتى يُخيّل للقارىء أنه أمام عمل حضاري فخم ومتقن، كما عودنا اليابانيون في تعاملاتهم وإنجازاتهم التي تشكل قدوة يرغب الكثير من البلدان الإمتثال بها.

لكن الوضع  في هذه الرواية كان مختلفًا تمامًا ونقيضًا لكل التصورات المسبقة التي يمكن تخيلها.

ولولا أن الجو العام للرواية من أسماء الشخصيات والأمكنة التي تحمل إسماً يابانيًا كما هوية الكاتب نفسه، لاعتقدنا أنّ السارد هو شخصٌ أميركي أو أوروبي يقيم في اليابان.

فأسلوب الحياة المعتمد في الرواية له طابعٌ غربي أكثر من كونه يعبّر عن الشرق الأقصى.

الموسيقى هي لبرنس وشوبرت وبيتهوفن، والأطعمة هي دجاج وسوفليه، أما الملابس فهي أميركية الطراز من حيث الوصف وحتى الشاي إنكليزي-إيرل غراي، والقلم أوروبي-مون بلان، والسيارات ألمانية-فولزفاغن… وهذا بحد ذاته يُحبط القارىء الذي توقع الولوج لأسلوب الحياة الياباني بقيمها وأنماطها المختلفة.

ولكي لا نظلم الكاتب كثيرًا، فقد تطرق لبعض الكتاب والفنانيين اليابانيين لا سيّما في الصفحات الأولى من روايته.

القصة تتناول كافكا، الشاب الذي قرر في يوم عيد ميلاده الخامس عشر سرقة أموال والده والهروب من المنزل؛ ليتضح لنا بعدها أنّ سبب هذا الهروب هو الابتعاد عن لعنةٍ كان قد أطلقها الوالد بأن الأمر سينتهي بالشاب قاتلاّ لأبيه ومدنسًا لعلاقته بأمه وأخته، في إشارة للعقدة الأودبية الشهيرة.

لكن الكاتب لم يبرع، للأسف، بنقل هذه الصورة الأسطورية بأسلوب سليم ومنطقي.

الضعف في التأليف بدا واضحًا من جوانب عدة أبرزها تقسيم الرواية لثلاثة قصص متداخلة؛يُخيل للقارىء أنه أمام قضية ناتجة عن الحرب العالمية الثانية والتي انتهت باسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما ونكازاكي. فهناك حالات إغماء غير مبررة أصابت مجموعة من الأطفال في العام 1944، لنعلم لاحقًا أنّ أحد أولئك الأطفال هو ناكاتا، الذي فقد ذاكرته كليًا وتحول إلى غبيّ يتقن التحاور مع القطط، ويعتقد أن بإمكانه جعل السماء تمطر أسماكًا ولينتهي به الأمر إلى قتل معلمته ساييكي، والدة كافكا.

الرواية حافلة بالصور الدموية التي تبرز بأشكال مقرفة على الوجوه والثياب والأرضيات، وقطع رؤوس قطط من أجل صناعة ناي! دون أن ننسى الغراب ”كرو“ الذي يوسوس للشاب حينًا ليُزَيّن له ما يفعله أحيانًا، فلا نعرف إن كان صوت الضمير أم صوت الشيطان.

وتنتهي الرواية ويبقى ماحدث دون تفسير، وكأن هذا السرد أمر عارض وجب على القارىء الاكتفاء به والانتقال لأجزاء مختلفة أخرى “كحجر المدخل” وغيرها.

حبكة الرواية هي جنسية بحتة، لا علاقة لها لا بالحروب ولا بالمجازر ولا بأية قضية إنسانية أو إجتماعية أو حتى ثقافية أو سياسية، وإنما التحقيقات المذكورة في الرواية أتت لتضفي قالبًا مشوقًا دون أي رابط مع التفاصيل الأخرى، وهذا بحد ذاته فشل  سردي.

ورغم محاولات الكاتب إيجاد الرابط بين المشاهد المتعددة في الرواية، إلا أن القص واللزق —وهي من عوامل الضعف في الكتابة، إن لم يكن لها دوافعها ومبرراتها— قد زادت عن الحد لتُضعف القصة.

من يقرأ “كافكا على الشاطىء“ دون تمعن يبرر ذلك الأسلوب بأنه سريالي، لكن حتى للسريالية مواهب كتابية تحترم وجدان القارىء.

الكاتب أظهر ضعفه أيضًا من خلال تفاصيل أخرى؛ فساييكي الأم بدت في بداية الرواية أربعينية، ليتحدث عنها لاحقًا على أنها خمسينية، لنكتشف أخيرًا أنها قد تكون بلغت المئة عام؛ فهي المُدرّسة التي تسببت بفقدان ذاكرة ناكاتا والتي لم يُذكر اسمها في التحقيقات إثر حادثة العام 1944. ولربما أراد هاروكي، بعدم الإفصاح عن إسمها، مفاجأة القارىء في النهاية؛ لكن ذلك لا يبرر ذكر الآخرين كالبروفيسور والمدير، وهو أيضًا يندرج في قائمة الضعف السردي. وتطالعنا في المنتصف رسالة كتبتها المُدرِّسة للبروفيسور الذي أشرف على قضيتها في السبعينات لتريح ضميرها والاعتراف بما اقترفته تجاه نكاتا، ولتُعلِمه أنها أصبحت عجوزاً تنتظر موتها في أي لحظة.

المُدرِّسة ساييكي، أم كافكا تامورا الشاب المراهق الذي يعيش في الألفية الجديدة. كيف استطاع  الماتب تنسيق هذا التفاوت العمري بين الأم ووليدها دون أية معلومات توضيحية تحترم عقل القارىء؟ هذا ما بحثت عنه ولم أتوصل إليه.

نحن لا نعرف لماذا تركت زوجها وابنها ورحلت، وماذا حل بالأخت المتبناة التي حاول  موراكامي تصويرها على أنها ساكورا.

الصور الضعيفة وغير المقبولة كثيرة في هذا السرد الخاوي وذكرها وتعدادها هو مضيعة للوقت تمامًا كما كانت قراءتها. فلقد تبين وبشكل واضح أن الكاتب فاقد لهويته على ثلاثة أصعدة: الهوية الوطنية، الهوية الجنسية والهوية الأدبيةك و موراكامي نفسه ذكر أمر فقدان الهوية لأكثر من مرة في الرواية.

بالنسبة للهوية الوطنية، لقد تخلف الكاتب عن واقعه الوطني الياباني ولم يظهره بواقعية، وكأنه توجه من خلال هذه الرواية للمجتمع الغربي وليس للمجتمع الياباني الآسيوي، ولربما يبحث عن العالمية بعيدًا عن محيطه.

هو لم يبدو يابانيا لا من حيث الثقافة ولا من حيث الكتابة، بينما المعروف والرائج في فن الأدب والرواية  أنّ الكاتب هو مرآة أمته، لكننا لم نلمس ذلك في الرواية. كما أننا لم نعرف ما يرمي إليه من خلال سرده لبعض الأحداث التاريخية التي ألمت بوطنه، فالترابط مفقود، حتى أننا توقفنا في آخر الرواية وتساءلنا باستغراب : ماذا أراد من هذا كله حقَا؟

أما الهوية الجنسية ففيها انحراف وعدم القدرة على التفاعل حسيًا وعاطفيًا في آن.

كانت الغريزة الحيوانية الشهوانية هي المحرك الرئيسي وبدت وكأنها ملصوقة لصقًا بغية التأثير الفاضح على غرائز القارىء لاسيما المراهق والشهواني. وتمثل ذلك من خلال جملته التي كررها والتي وصف فيها واقع العلاقات بين شخصين (رجل مع رجل، امرأة ورجل ، وامرأة وامرأة)، مُبرزا في هذا الإطار شخصية أوشيما، وهي ليست بذكر أو أنثى، وهذا ترويج لفكر شاذ يخالف القوانين الطبيعية التي من خلالها يعمر الكون ويزدهر.

ويخيّل للقارىء أنه أمام مرحلة أدبية منحطة هاجسها جنسي وهمومها وقضاياها جنسية منحرفة تروج للانحراف دون أي اعتبار للعلاقات الإنسانية السامية التي تربط الأشخاص ببعض، لا سيّما علاقة الأمومة والأبوة والأخوة وعلاقة الحب. لم نشهد تعبيرًا  إنسانيًا وعاطفيًا واحدًا، لم نشهد حبًا صادقًا يتفاعل.

قد يكون لدى بعض المراهقين نفور من الوالدين في فترة من الفترات ولكن ليس إلى هذه الدرجة المؤذية. وحقيقة لا أعرف لمن توجه بهذه  الرواية هل للمراهقين عبر القول لهم لتكتشفوا ذاتكم اهربوا من منازلكم، اقتلوا آباءكم ودنسوا روابطكم الأسرية، أم أنه توجه للأهل عبر القول لهم تخلوا عن مسؤولياتكم وازرعوا في عقول أولادكم لعنات منحرفة؟

أما بخصوص هويته الأدبية المفقودة، فالملاحظ أن فشله في التعبير وعدم قدرته على  إيجاد قضية أو رسالة يرسّخ من خلالها عمله وضعت الرواية في خانة غير محددة المعالم.

الكاتب الياباني هاروكي موراكامي

بدا واضحًا تأثر موراكامي برواية “بدرو بارامو“ لخوان رولفو، وهي رواية سريالية تتحدث عن العقدة الأودبية بأسلوب مبعثر حيث يطالب إبن يبحث عن والده بعد وفاة والدته، وهو يزرع بداخل هذا الوالد عقدة ذنب تجاه زوجته المنسية.

برع خوان رولفو بإبراز سمات هذه العقدة دون الإتيان على ذكرها تاركًا للقارىء استنتاجها. بينما موراكامي بقي يكرر هذا الأمر وهو يقحمه في الرواية.

كيف يمكننا قبول فكرة كره كافكا لوالده لهذه الدرجة وهو لم ينافسه على حب والدته التي هجرته من تلقاء نفسها حينما كان صغيرًا؟ أما كان أجدر به كره والدته أكثر لهجرها لهم بدل الهيام بها بأسلوب غرائزي منحرف؟

أما التأثر الثاني لموراكامي كان برواية “مائة عام من العزلة”  لغابريال غارسيا ماركيز.

 صحيح أن هذه الرواية امتدت على مدارمائة عام وجرى تدنيس —عن غير تصور وتصميم — للعلاقات بين الأقرباء، وإنما نتيجة السفاح تلك لم تكن لأسباب جنسية دنيئة و إنما لإظهار انغلاق أهل الإقطاع على بعضهم، وفي الوقت نفسه تناحرهم الذي أدى لانهيار القيم بشكل لاإرادي.

طال حديثي عن هذه الرواية التي أعتبرها من أسوأ ما قرأت حتى الآن. وإنما هذه الإطالة أتت بسبب ما قرأته عن الإعجاب الذي حققته هذه الرواية لدى الكثير من القراء.

 شعرت وكأننا فقدنا حاسة التذوق إلى درجة أننا بتنا نلتهم كل ما يقدم لنا ونحن نثني على مزاياه دون معرفة طعمه ومكوناته.

هل أصبح الفكر السائد في عصرنا أنّ سرد مشاهد انحراف جنسي في الكتابة يجلها لامعة ويروجها بشكل أكبر؟ هل تعدت الصور الكتابية المشاهد الجنسية العاطفية لتبلغ منحى لاأخلاقي وشاذ؟ هل العلاقات الجنسية يجب أن تكون حيوانية غرائزية دون أي اعتبار لرابط أو لعاطفة في الروايات والقصص؟ من وضع هذه المبادىء للكتابة وجعلها مثالاً يُحتذى به لكل من طاوعه قلمه على الخيال المريض؟

ما الذي جر الإنسان للوصول إلى هذا الانحطاط؟ ومن هي الجهة التي تسعى لانحطاطه وتسميم فكره؟ وإلى متى سنبقى نشاهد ونحن “نومىء” موافقين على هذا الخط المُسيّرين نحوه راضين مكتفين مطأطئي؟.

مستقبلنا بخطر لأن فكرنا مسموم وبحاجة ماسة لترياق يُعيد له نقاءه واتزانه بعيداً عن أسر الشهوات التي تدعي السريالية الثقافية  فيما هي لا تمت لأي منطق أو ثقافة أو حتى إحساس.

كتبت كل هذا النقد عن رواية لا تستحق حتى أن تُنعت بالرواية كمحاولة للإضاءة على مرحلة معتمة قد اقتربنا منها.

الفكر نور والفلسفة نور والعلم بكل مكوناته نور، فلماذا نقتبس من الظلام منهجًا نسير عليه ونصفق له؟

لماذا نتأثر بما عرضوه لنا وأخبرونا أنه عمل نافذ يجب قراءته؟

لا ! لن نحتفل معكم بأعمال سيئة ونمدحها وهي تقمع بداخلنا ذرات النقاء والصفاء وتأخذنا نحو غياهب الشر والسوء!

لن نصمت ونحن نتلقف الوضاعة على جرعات! لو كنا صوتًا واحدًا ونبرة استياء واحدة فكلمة الحقيقة يكفيها شخص واحد لقولها حتى يسمعها أشخاص، ولتتحول القضية من الفرد إلى جماعة.

لنقرأ بوعي وتمعن ولنوقظ بداخلنا ثقافة قرائية تميّز الفن الإبداعي من التفنن بإبداع التضليل…

Facebook Comments

Post a comment