لبنان يطلق المجلس الوطني للسلامة المرورية: مهارة مش شطارة!

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

لم يكن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وحيداً في رثاء أخيه حسام الذي أفقدته نوعية الطرقات السيئة في لبنان حياته. أمهات وأباء كثر فقدوا أبنائهم، ونساء فقدن أزواجهن وأولادهن وبناتهن على الطرقات التي لا تزال تمنح جوازات سفر مجانية إلى دنيا الموت السريع.

This slideshow requires JavaScript.

قبل أيام، لم يستطع الشاب عزّ الدين الحلبي، ابن بلدة بعقلين الشوفيّة، أن يتحدث عما حصل معه بعد اصطدام سيارته بحافة ما على الطريق في أثناء عودته إلى منزله في السمقانية. وقعت السيارة من شاهق واحترقت ولم يستطع عزّ أن يغادرها. بقي في داخلها حتى توقف الزمن عند الذكريات التي حفظها أحبائه عنه.

لم يستطع قتلى حوادث السير أن يتحدثوا عما حصل معهم بعد، ولم يستطع أحد من الأموات أن يعودوا ليتحدثوا عن اللحظات الأخيرة، ولم تستطع السيارات يوماً أن تروي كيف اصطدمت بالموت. في كل مرة تفقد عائلة ما عزيزاً لها، يستعير أحباءه صوته ويروون بقلوبهم عن الأثر الذي تركه الفقيد، كأنهم يحتفظون بالصورة الأجمل في ذاكرتهم، قبل أن تلوث الطرقات الفوضوية، وجوه الذين رحلوا بالدماء.

الحلبي الذي توفي بالأمس، لا يختلف عن شباب وشابات لبنان، الذين يغادرون بصمت على طرقات لبنان الموحشة. ولطالما افتخرنا “بأننا متقدمون وحضاريون واذكياء، ولكن عندما اقرينا قانون السير، جاء من يسأل: لماذا تضمن القانون هذه الغرامات المرتفعة؟ وقد اشتكى البعض من القانون”، يقول الرئيس سعد الحريري، ويضيف أن “لقد وضعنا هذا القانون لأن هناك مشكلة حقيقية في البلد ولا أحد يعالجها”.

كلام الحريري جاء خلال حفل إطلاق أعمال المجلس الوطني للسلامة المرورية أمس الأربعاء، وقد تخلله إطلاق برنامج “مهارة مشي شطارة” بدعم من المؤسسة الوطنية للضمان الالزامي، في حضور رئيسة لجنة التربية النائبة بهية الحريري، رئيس لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النائب محمد قباني، عضو كتلة “المستقبل” النائب محمد الحجار، وزير الداخلية السابق زياد بارود، في ظل غياب وزير الداخلية الحالي نهاد المشنوق بحجة السفر إلى الجزائر، بالإضافة إلى حضور ممثلين للأجهزة الامنية وشخصيات سياسية واجتماعية واعلامية وفنية.

نيشان: يجب تعزيز السلوك المروري لدى المواطنين!

يريد الإعلامي اللبناني نيشان ديرهاروتيونيان، الذي كان عرّيف الحفل، أن يستخدم شهرته ليزيد من التوعية على السلوك المروري لدى المواطنين اللبنانيين، وهو ما يشكّل عملياً جوهر حملة “مهارة مش شطارة”.

يعتقد نيشان في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن “معظم اللبنانيين يشعرون أنهم انتصروا على الوقت في حال وصلوا إلى المكان بأسرع وقت، ولكن أحدنا لا ينتبه إلى التهور المروري الذي يمارسه اللبنانيون يومياً على الطرقات إلا في حال فقدنا شخصاً غالياً بالنسبة إلينا”، والخسارة بحسب نيشان “لا تعوض ولا يمكننا أن نحصل على شهادة من الذين رحلوا خلف مقود السيارة”.

الخسارة التي لا تعوض، عززها نيشان بالقول إن إحصاءات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تشير إلى أن لبنان فقد في العام 2017 أكثر من 650 قتيلاً، وأصبح هناك 1000 معوق جراء حوادث السير، وخرج 12 ألف جريح من خلف المقود إلى حياتهم اليومية، بالإضافة إلى تكبد الدولة اللبنانية خسائر مادية ومعنوية تقدر بأكثر من مليون دولار سنوياً.

وللأسف، هناك تشكيك دائم، بحسب نيشان، بأي “خطوة متعلقة بالسلامة العامة في لبنان”. فقد أبدت معظم الوسائل الإعلامية رأيها، حول احتمال أن يكون “إطلاق المجلس الوطني للسلامة المرورية خطوة انتخابية، بينما هو ضرورة وطنية لضمانة سلامة اللبنانيين على الطرقات”، مشيراً إلى أن دور الإعلام يجب أن يحمل البعد الرابع وهو البعد الإنساني، أي أن “تستخدم شهرتك وتأثيرك بالناس لإقناعهم بضرورة الحفاظ على حياتهم وحياة الآخرين على الطرقات”.

ريما نجيم: على الدولة تحسين وضع الطرقات!

عملياً “كان اللبنانيون في الفترة السابقة ملتزمون بجدية كبيرة بقانون السير لأسباب عدة، على الرغم من الفوضوية اللبنانية التي نمارسها دائماً”، تقول الإعلامية الإذاعية ريما نجيم. وتضيف في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط، أننا في حال استطعنا تنظيم أمورنا، عندئذ سنقوم بتطبيق القانون.

ولكن ذلك لا يمكن أن يتم بشكل منفصل، بحسب نجيم، من دون أن “تساعدنا الدولة اللبنانية بمختلف أجهزتها على تحسين وضع الطرقات التي تفتقر إلى معايير السلامة، كالإضاءة والاشارات التحذيرية، وعلينا كلبنانيين أن نطبق بنود القانون بدءاً من عدم استعمال الهواتف الخلوية، والقيادة تحت تأثير الكحول، وغيرها من الأمور التي تسرّع موت شبابنا على الطرقات”.

كارلوس عازار: يجب معاقبة المخالفين حرصاً على سلامتهم وسلامة الآخرين!

الفوضوية اللبنانية التي تحدثت عنها نجيم، سببها الموروثات الخاطئة التي ورثناها عن “السائقين القدماء” بحسب تعبير الممثل كارلوس عازار، والذي يوضح فيها أن اللبنانيين يتصرفون على أساسها على الطرقات يومياً.

ويشير عازار في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إلى أن هدف الحملة يبدأ من تقويم المسار الخاطئ الذي ورثناه عن قدامى السائقين، في الوقت الذي يجب فيه تحديث قوانين السير القديمة، وفرض عقوبات على المخالفين، وهذا ما سينعكس إيجاباً على السلوك المروري للمواطنين على الطرقات.

قلة الالتزام بقانون السير واستنسابية تطبيق القانون يزعج معظم اللبنانيين، ويجعلهم بمنأى عن الالتزام الجدي بالمحافظة على حياة الآخرين. وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في أثناء إلقاء كلمته، حينما قال إن “هناك من جاء ليسأل: لماذا تضمن القانون (قانون السير الجديد رقم 243/2012) هذه الغرامات المرتفعة؟”، موضحاً أن “هذا القانون وضع لان هناك مشكلة حقيقية في البلد ولا أحد يعالجها”، وهذا ما يستدعي، برأي الحريري، تضافر جهود “الحكومة والمسؤولين وقوى الامن الداخلي، على تطبيق القانون، ولا مكان للتراخي في هذا الامر والقانون يجب ان يطبق بنصوصه كافة”، وذلك لأنه “ليست هناك قيمة لحياة الانسان وخصوصا بالنسبة الى الاشخاص الذين يقودون بسرعة ولا يحترمون القانون”.

الحريري: مصممون على عدم التراخي في تطبيق القانون

رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استذكر فقدان شقيقه حسام، الذي كان متوجهاً لتناول الغداء، “ولكنه لم يتمكن من التحكم بالسيارة لان الطريق كانت مبللة وحصل الحادث”.

وأضاف أنه يجب ان يتم تعلم قيادة السيارة في مدرسة متخصصة، لا ان يصار الى اللجوء الى الواسطة للحصول على رخصة السوق وهذا امر أساسي، متوجهاً للأمهات بالقول إن الدولة والحكومة ستقومان بكل ما يمكن للتطبيق الحرفي لهذا القانون بجميع نصوصه، وان شاء الله نتوصل هذا العام الى تقليص عدد الحوادث على طرق لبنان، وعلينا ان نقوم بحملات توعية وطنية أوسع تشمل المدارس وقوى الامن الداخلي والجيش”.

سلامة: عدد الحوادث ارتفع في العام 2017!

حددت الأمم المتحدة السلامة المرورية كأحد أهداف التنمية المستدامة للعام 2030 في إطار محوري الصحة والتنقل المستدام، وكان عقد عمل الامم المتحدة من اجل السلامة المرورية 2011 – 2020، قد حدد هدفاً يستوجب من خلاله خفض الوفيات الناجمة عن الصدامات المرورية الى النصف بحلول العام 2020 نظرا الى سقوط ما يقدر بمليون و300 ألف قتيل و50 مليون جريح في العالم على الطرق سنويا”.

ولفت امين سر المجلس الوطني للسلامة المرورية البروفسور رمزي سلامة إلى أنه في الوقت الذي يتناقص فيه العدد السنوي للوفيات الناجمة عن المرور في البلدان المرتفعة الدخل، شهد لبنان ارتفاعا مستمرا في هذا العدد حتى دخول قانون السير الجديد حيز التنفيذ في العام 2015، ورغم الانخفاض الملحوظ في ذلك العام عادت الوفيات الى الارتفاع في العام 2017، الأمر الذي يستدعي مواجهة التحديات الكبيرة التي تنطوي عليها هذه المشكلة تضافر جهود جميع الجهات المعنية الحكومية وغير الحكومية.

ما المطلوب من الدولة اللبنانية؟

تابعت أمانة سر المجلس الوطني للسلامة المرورية خلال العامين المنصرمين أعمالا تحضيرية متعلقة بالسلامة المرورية، نذكر منها تحديد النصوص التطبيقية اللازمة لوضع قانون السير الجديد موضع التنفيذ، وانشاء شهادة امتياز في اختصاص المرور، والتعاون مع مجموعة من البلديات والمدارس والجمعيات من اجل تعزيز السلامة المرورية في مختلف الاشكال وإطلاق بعض حملات التوعية، وتنظيم سلسلة من المؤتمرات والندوات ذات الصلة وغير ذلك من المبادرات والانشطة”.

وأشار سلامة إلى ان “عصب المرحلة المقبلة يكمن في وضع استراتيجية وطنية متكاملة للسلامة المرورية وتطبيقها” والتي تشمل الركائز الخمس التي ينص عليها عقد عمل الامم المتحدة للسلامة المرورية 2011-2020 اي:

– تأمين طرق اكثر امانا.

– تأمين مركبات اكثر امانا.

– تأمين سلوك مروري اكثر امانا.

– تأمين عناية اكثر فاعلية بضحايا الصدامات المرورية.

– تأمين ادارة اكثر فاعلية لشؤون السير والسلامة المرورية”.

وشدد سلامة على انه “لتأمين طرق أكثر امانا نحن في حاجة الى اعتماد نصوص تشريعية وتنظيمية ملزمة لمراعاة شروط السلامة المرورية في جميع اشغال الطرق والشوارع والساحات العامة، كما اننا في حاجة الى بناء القدرات الوطنية اللازمة لتطبيق ذلك، ومن محاور الاهتمام الرئيسية تعميم الارصفة وممرات المشاة، وتعميم الحمايات واللافتات المرورية وتعزيز الرؤية من خلال الانارة وما ينوب عنها وتعزيز السلامة المرورية في محيط المدارس والجامعات وتكثيف أعمال صيانة الطرق”.

وأضاف: “لتأمين مركبات أكثر امانا، نحن في حاجة الى وضع خطط وطنية لتعميم استخدام مقاعد الاطفال والخوذة الواقية، والى تحديث اساطيل نقل الاشخاص والبضائع ولا سيما النقل المدرسي. كما اننا في حاجة الى التطبيق الصارم لأحكام قانون السير الجديد بحيث نصل في المدى المنظور الى خلو طرق لبنان من اية مركبة الية لا تستوفي شروط السلامة، او تستخدم لغير الوجهة التي صممت لأجلها، او تحمل ركابا او بضائع أكثر من طاقتها”.

ما هو المجلس الوطني للسلامة المرورية؟

قدّم الرائد ميشال مطران، عضو المجلس الوطني للسلامة المرورية، تعريفاً عن المجلس، بحيث أشار إلى أن قانون السير الجديد رقم 243/2012 هو والد المجلس الوطني للسلامة المرورية.

ويقول الرائد ميشال مطران في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن “هناك دعم جدي من دولة الرئيس سعد الحريري، الذي تعهد لكل الأمهات والمواطنين اللبنانيين تطبيق قانون السير الجديد وتفعيل دور المجلس الوطني للسلامة المرورية”، وذلك يتم، بحسب مطران، عبر وضع استراتيجية وطنية تحتكم لبنودها جميع الإدارات المعنية.

ويضيف الرائد مطران أن هناك التزام سياسي بتطبيق القوانين المتعلقة بالسلامة المرورية، مشيراً إلى أننا “نتمنى على المواطنين دعم المبادرات التي تقوم بها الدولة اللبنانية لجهة تنفيذ قانون السير بطريقة إيجابية، بالإضافة إلى ضرورة التزام جميع المواطنين بالقانون، في الوقت الذي ستقوم فيه الدولة بتطبيق المعايير المتعلقة بالسلامة المرورية، بدءاً من تحسين وضع الطرقات واستيراد مركبات ووضع سجل مروري وتنفيذ القانون أثناء تعليم السياقة.

على الصعيد نفسه، يتألف المجلس الوطني للسلامة المرورية من 5 اعضاء هم بمثابة حكومة مصغرة:

– رئيس المجلس: رئيس الحكومة او نائبه في حال غيابه.

– وزير الداخلية والبلديات.

– وزير الاشغال العامة والنقل.

– وزير التربية والتعليم العالي.

– وزير العدل.

تتبع للمجلس لجنة وطنية للسلامة المرورية برئاسة وزير الداخلية والبلديات، بمثابة هيئة شورى للقطاعات المعنية.  ولفت الى ان صلاحيات المجلس تشمل:

  • مجال السياسات العامة والاشراف والاطر التشريعية والتنظيمي:

رسم السياسة العامة للسلامة المرورية والسهر على تطبيقها.

الاشراف على المؤسسات العامة والخاصة التي تعنى بشؤون السير ومراقبة عملها.

العمل على تطوير قانون السير.

اقتراح مشاريع المراسيم والانظمة المنوطة بالمجلس بموجب القانون.

ابداء الرأي في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالسلامة المرورية بمختلف اوجهها.

  • ضمان الاهلية لقيادة المركبات الآلية من خلال تنظيم مختلف اوجه تعليم القيادة وامتحاناتها
  • الاشراف على مختلف الامور التي تعنى بالسلامة المرورية ومن ذلك:

تحديد دقائق تطبيق نظام النقاط.

تحديد شروط الكشف الفني على المركبات وتطبيقاتها.

تحديد مناهج مباريات الكفاية لخبراء حوادث السير.

تنظيم الحملات الاعلامية ايا تكن الجهة التي تقوم بها.

  • مجال التعاون الوطني والدولي الخاص بالسلامة المرورية:

– اتفاقات التعاون.

– قبول المساعدات والهيئات.

-انتداب من يمثل لبنان في المحافل العربية والدولية.

وتخلل الاحتفال عرض فيديوهات اعلانية للمشروع بمشاركة عدد من الفنانين والاعلاميين. وفي الختام، وزعت شهادات على المشاركين في المشروع.

Facebook Comments

Leave a Reply