هل يساعد العلاج المائي الأطفال المرضى؟

مصطفى رعد

تصوير الكاتب وأهالي الأطفال

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

هو طفلٌ طويلٌ كبير، هشٌّ من الداخل، كأن جسده يفتقر للعظام. وفي كل مرة يمسك فيها بيد والدته، وهما يخطان الطريق نحو المسبح الذي سيقابل فيه المدرب جبريل برهم، يشعر بفرح عامر حينما يرى وجوه الناس وهي تتبسم له.

جافيد جعفريان، 16 عاماً، مصاب بنوبات الصرع (epilipsy) ولديه طيف التوحد.

يبتسم جافيد بينما ينزل درجات المسبح بمساعدة شابة أفريقية تعتني به منذ أن كان في السادسة من عمره.

قبل عام كامل، كان نزول جافيد إلى الماء يحتاج إلى بذل جهدٍ شاقٍ، يستوجب الكثير من الصبر وتحمل الصراخ. لم يكن يُسجل في تدريبه أكثر من قطع 10 خطوات مشياً في الماء، ولم تكن فكرة تواجده في الماء شيئاً سهلاً بالنسبة إليه، إلا أنه وجد نفسه بعد الاسترسال في العلاج بالماء.

أما اليوم، فيستطيع جافيد أن يمشي نحو 200 متر في الماء بشكل عامودي، كما يقوم بتنفيذ 350 ركلة بقدميه، من أجل تقوية عضلات رجليه الضعيفة.

أظهر جافيد تحسناً كبيراً في الماء وذلك بفضل العلاجات التي كان ينفذها المدرب برهم. وشعر أن السباحة هي المنفس الأكثر حرية له بين كل النشاطات التي يحاول الاندماج فيها.

أصبح جافيد منتظماً في سلوكياته، وبات يقوم بتحريك قدميه بطريقة مفيدة جداً، وباتت قدمه اليسرى بحالة أفضل، ولو كانت بوتيرة بطيئة، نظراً للنوبات الكهربائية القوية التي تنتابه وتتجاوز 60 نوبة في اليوم الواحد، ولولا ذلك لكان نشاط جافيد قد تقدم بسرعة كبيرة.

تقول والدة جافيد إن السباحة ساعدت إبنها ليكون على سجيته. فهو لا يرتاح في الذهاب إلى الأماكن العامة التي يرتادها الأهالي والأطفال على حد سواء.

لا يرحم الناس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وحتى وإن لم يتكلموا، فنظرات الشفقة تُلاحق الأطفال المُصابون بالأمراض وتُلاحق أهاليه.

وهناك من يعتقد عن جهلٍ وقلة وعي وإدراك مجتمعي أن هؤلاء الأطفال الأبرياء لديهم القدرة على إيذاء أطفالهم الأصحاء.

لم نتعلم يوماً أن الحياة ليست على مسافة واحدة من جميع المخلوقات، ولم نعرف كيف نبدو حينما نتصرف بطريقة غير اعتيادية أمام الآخرين.

كثيرون لم يختبروا يوماً أن يكونوا لديهم أولاد ذو احتياجات خاصة، مع العلم أننا معرضون جميعاً إلى الإصابة بحادث، في لحظة قد تتبدل فيها كل أحلامنا وطموحاتنا.

أخذت الوالدة تبكي حينما نبشت موقفاً لا يزال حاضراً متأهباً في ذاكرتها الأمومية. للأمهات ذاكرة مختلفة عن الجميع.

ذكرت أحداثاً يتساوى فيها ما شعرت به وما حكته لي، كأنها كانت تريد مني أن أشعر بما شعرت هي به قبل 8 سنوات.

عادت إلى المسرح الذي أدخلت إليه جافيد، ليشاهد مسرحية يشارك فيها أطفالاً من أعمارٍ مختلفة، عن حب الأمهات لأولادهن.

كان جافيد يبكي، كعادته، ولكنه شعر بثقلٍ في رأسه في أثناء تواجده معها في المسرحية، وبات يصرخ بين كل لحظة وأخرى.

سيدة تجلس على بعد خمس مقاعد متقدمة، وقفت مبدية انزعاجها من صوت جافيد، مطالبة بخروج “الطفل الذي لا يجب أن يكون موجوداً بين أطفالٍ طبيعيين”.

لم تبكِ والدة جافيد حينما سمعت كلاماً ينهمر كالرصاص على مسمعها، بل أصابتها الصدمة من قلة إنسانية امرأة لم تكن تريد لإبنها أن يتعلم ويرى أن هناك بشر يعانون من مشاكل خاصة.

غير أن عدداً من النسوة تدخلن لوقف العاصفة التي أحدثتها المرأة المتضايقة وحدها، وأوقفوا والدة جافيد عن حمل ابنها إلى الخارج، قائلين إن لجافيد الحق بالبقاء كالبقية وهو يشبه جميع الأطفال، ولا أحد من الحاضرين في المسرح يشعر بأي مضايقة، إلا تلك السيدة التي يجب عليها أن تجلس في مقعدها أو أن تغادر.

كان بكاء الوالدة حقيقياً.

تكرر الوالدة تعداد المواقف السيئة التي مرت فيها مع جافيد، وهي كثيرة بالفعل، وتحسب أنها استطاعت، بقوتها أن تتغلب على من يحاربونها.

تجد أن هناك تقصيراً من المجتمع وتحديداً في المستشفيات. أصبحت تكره المستشفيات، لكثرة النداءات التي أطلقتها حينما كان جافيد يقع من على السرير ويكسر شيئاً من عظامه الهشة.

في إحدى المرات، وقع جافيد، من فرط حركته، من على السرير، وكسر كتفه.

سالت دماؤه على بلاط الغرفة الكئيبة لساعات، ولم يكترث أحد من الطاقم الطبي لنداءات الأم المكسورة الخاطر.

في جمعية أصدقاء المعوقين في منطقة المشرف، جنوب بيروت، وجدت والدة جافيد مركزاً يهتم بإبنها وبأبناء العائلات الذين يحتاجون لعناية خاصة.

فهناك من يقدم من وقته وعاطفته ليساعد الأطفال على تطوير مهاراتهم المحكية وغير المحكية.

يقول المتابعون لحالة جافيد أن ذكاء الأخير عالٍ جداً. يستطيع أحياناً أن يتحكم بالنوبات الكهربائية.

وهو يقوم أحياناً بالتركيز على تسلسل ما للأضواء في المتاجر، أو الكراسي، أو الطاولات، ليحصل على ما يشبه المتعة الجسدية.

تقول معلمة حصة الرياضة سمر شاتيلا أن جافيد شاب ذكي، ويستطيع أن يحصل على ما يريد من خلال استعمال ذكائه، وهو الشخص الوحيد الذي تعرفه ويحب أن تصيبه نوبة كهربائية.

تعمل شاتيلا من خلال حصص الرياضة على تقوية عضلات قدمي جافيد، مرتين في الأسبوع.

تحاول تدريبه على المشي قدر استطاعته، كما تساعده على محاولة تنفيذ ركلات من أجل تقوية عضلات ركبتيه.

تقول شاتيلا أن جافيد يقوم بتركيب لوحات مؤلفة من أحجار، وسيشارك العام المقبل في معرض لذوي الاحتياجات الخاصة في مصر، ضمن ما يعرف فنون خاصة جداً (very special arts).

محمد شومان عند فوزه بميدالية ذهبية في السباحة عن فئة المصابين بالشلل الدماغي.

ميدالية ذهبية في السباحة!

سمر شاتيلا لديها قصة أيضاً. لم يتكون صبر هذه السيدة من فراغ، بل من عاطفة كبيرة، ركزتها على ابنها محمد شومان (13 سنة) الذي حصل على ميدالية ذهبية في مسابقة السباحة في مصر العام الماضي، عن فئة المصابين بالشلل الدماغي.

قبل 13 عاماً شعرت الوالدة أنها ستواجه تحدياً كبيراً في المستقبل. ففي بداية الشهر التاسع من حملها قرر محمد الخروج مبكراً إلى الدنيا، الأمر الذي أفقده نسباً من الأوكسيجين، واستدعى وضعه في حضانة زجاجية لمدة شهر كامل.

استبقت الوالدة جميع الأمور والعوارض، نظراً للخلفية الطبية التي تتمتع بها كونها نالت شهادة جامعية في التمريض، وقامت بتصوير محمد بالرنين المغناطيسي (MRI SCAN) حينما بلغ 4 أشهر من عمره وعرفت أنه لديه دمج في خلايا الدماغ (grey matter)، والذي سيفتح المجال أمام علاجات فيزيائية وعلاج النطق والعلاج الانشغالي.

عندما فاز إبنها بميدالية السباحة بعد 13 عاماً، لم تُهدِ الوالدة فرحتها لأحد. كان شعورها بعد فوز محمد بالميدالية الذهبية عن سباق 25 متر سباحة حرة في مسابقة هيليوبوليس الدولية في مصر لذوي الاحتياجات الخاصة، أكبر من أن يتسع للكلام.

إشترك أطفال سمر في بطولة هيليوبوليس الدولية في مصر، بعدما تلقت والدته دعوة منهم للمشاركة في مسابقات خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، وقد أشركت إبنتها حنين (14 عاماً) بالألعاب الدامجة، وهي شابة لديها صعوبات تعلمية.

ولاحقاً استطاعت حنين أن تحصل على الحزام الأسود في فن الملاكمة هذا العام، حيث باستطاعة الطفل الطبيعي الاندماج مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

حصل جميع تلاميذها على ميداليات عدة في فئة السباحة الحرة، وكان هدف هذه البطولات أن تزيد ثقة الأطفال بأنفسهم، ليصبح لديهم حباً بالحياة.

في غمرة فرحها، تستذكر الوالدة حجم الصعوبات التي مرت عليها حينما اكتشفت أن ولدها محمد، قد رُبط بالكرسي لمدة 4 سنوات في مدرسة التدخل المبكر.

اكتشفت ذلك بعدما نسيت في إحدى الأيام أن تعطيه دوائه الذي يتحكم في نوبات التشنج الكهربائية. ووجدت أن محمد قد تغيّر سلوكه وأصبح أكثر عنفاً تجاه شقيقته في المنزل وتجاه أقربائه.

قررت الوالدة أن تبحث عن مدرسة أكثر إنسانية. ولكن كان يجب إصلاح سلوك محمد الذي تضرر بفعل التعذيب الذي مورس عليه في المدرسة، فخضع محمد لعلاج تحليل السلوك التطبيقي (ABA) الذي عادة ما يطبق في حالات الأولاد الذين يعانون من التوحد، كما يطبق للأولاد الذين يعانون من مشاكل سلوكية.

تحول محمد لاحقاً إلى مدرسة “إعداد/ جمعية أصدقاء المعوقين”، وتطوعت سمر لتعمل كمدرّسة رياضة، بعدما خضعت لدورات مكثفة مع منظمة Special Olympics العالمية، وعملت على برنامج MATP أو  Motor Activity Training Program  وهو برنامج يستهدف ممارسة الأنشطة الحركية لشديدي الإعاقة، ومن هنا بدأت تلوح الفكرة بأن محمد سيكون له مستقبلٌ أفضل من الآن.

استطاع محمد بفضل هذه العلاجات النهوض من على الكرسي المتحرك، وبدأ يمشي باستخدام آلة للمشي، وبدأ بالعلاج على الحصان، ومن ثم تعلم السباحة مع المدرب جبريل برهم، بعدما حصل على دورات مكثفة، ليتمكن من المشاركة في المسابقة الدولية.

وبفضل نشاط سمر مع ولدها محمد، عينتها منظمة Special Olympics ممثلة عن الأسر اللبنانية في لبنان، وشاركت في عدة مؤتمرات بين عامي 2014 و2015 في مصر، و2016 في المغرب.

لم تشعر سمر يوماً بأن ابنها محمد يشكل عبئاً عليها، على الرغم من كل الإرهاق الجسدي والنفسي الذي مرت فيه.

كانت تعتبر محمد مفتاحها إلى الجنة.

إيمانها الكبير جعلها تتخطى كل المحن التي مرت بها، بعدما قال لها زوجها يوماً ما أن محمد لن يبقى على الكرسي المتحرك بل سيقوم ويمشي.

حينما كان المعالج الفيزيائي يأتي إلى منزل سمر، كان يعالجه لمدة ساعة واحدة، مرتين في الأسبوع.

وكان عليها أن تتابع باقي الأيام في إزالة التشنج من رجلي محمد. كانت تشعر أنها توجعه عن قصد حينما كانت تحاول تمرين رجليه، وكان وضع الثياب على جسد محمد من أصعب المهام التي من الممكن أن تتولاها كأم.

في العام الماضي، عمل المدرب برهم على مساعدة محمد على المشاركة في مسابقة السباحة الدولية.

يقول جبريل في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط، إن محمد خضع لسباحة crawl، بعدما كان يخضع لعلاجات طبية لتخفيف تأثير النوبات الكهربائية.

ويضيف أن محمد خضع لدورات مكثفة وأصبح متمكناً من آليات السباحة، فهو بات “يستطيع تحريك يديه وقدميه بطريقة صحيحة، بعدما شعرت أن لمحمد قدرات نستطيع البناء عليها في المستقبل”.

محمد شومان خلال التدريب المائي

العلاج بالماء
يقضي برهم أكثر من نصف وقته في الماء، يساعد الأطفال من ذوي الاجتياحات الخاصة على تعلم السباحة، وفق ما يُعرف بالعلاج المائي.

أراد أن يجعل المسبح الممتلئ بالأطفال من ذوي “التحديات الخاصة” كما يسميهم، أن يكون مركز علاج لهم.

ولكل واحد من أولئك الأطفال حالة خاصة، وتحدياً خاص، يمنعه من ممارسة وظائفه الحياتية بشكل يشبه الأطفال العاديين.

ذلك المسبح بات بالنسبة للأطفال عالماً موازياً، خاصاً، وسبباً في رسم بهجة حقيقية على وجوههم ووجوه أهاليهم.

وهذا الشاب الأردني المتزوج من سيدة لبنانية، وجد نفسه قريباً من الأطفال الذين يواجهون تحديات خاصة، كما يسميها، بسبب تجربته مع شقيقه محمد.

كان محمد برهم (26 عاماً) يعاني تهتكاً في خلايا الدماغ بنسبة 56 في المئة، وذلك بسبب ارتفاع درجة الحرارة في جسده حينما كان عمره لا يتجاوز 4 سنوات.

جبريل الحاصل على بكالوريوس من جامعة اليرموك في الأردن، اختصاص التربية البدنية وطالب ماجستير بعلوم الحركة ميكانيك وستاتيك وسباحة، وجد نفسه على مسافة قريبة من الأطفال ذوي التحديات الخاصة، وجعلته متفهماً لكل الظروف التي يمر فيها الأهالي، لناحية وضعهم النفسي والاجتماعي والمادي، وعادة ما يكون العامل المادي هو الأكثر إعاقة لتقدم حالة أطفالهم، كون العلاجات تستهلك مبالغ كبيرة من دخل الأسرة.

رغم كل تلك الظروف، يعتبر جبريل أن هؤلاء الأطفال لم يكن بإمكانهم اختيار أن يولدوا باحتياجات خاصة، وذلك نظراً لعوامل عدة لها علاقة بالعوامل الوراثية والبيئية والتغذية وظروف الحمل، بالإضافة إلى العوامل الجينية.

وذلك لا يمنع هؤلاء الأطفال من ممارسة الحياة بالطريقة التي تناسب احتياجاتهم، وبالحد الأدنى الذي يستطيعون فيه الحصول على حقوقهم البسيطة اسوة بجميع البشر.

وبحسب جبريل، يتمتع هؤلاء الأطفال بمواهب دفينة تحتاج إلى من يبحث عنها ويستثمرها بحسب التوجه العلمي الصحيح، وفقاً لكل حالة.

خاض جبريل تجربته الأولى في العلاج المائي مع الطفل آدم في الأردن.  وكان آدم مصاباً بشلل في الفقرات t2,t3 في العمود الفقري بالإضافة إلى تضرر الحبل الشوكي، وذلك إثر تعرضه وعائلته إلى حادث سير. عمل جبريل مع آدم في المسبح وساعده على تعلم تقنيات السباحة التي تتناسب مع اصابته، بحيث كان يستطيع تحريك العضلات الخاصة بالجزء العلوي والتي تشكل 25 في المئة من جسده، واستطاع “ربع الجسد” أن يمارس رياضة السباحة وبشغف كبير، رغم الحالة النفسية الصعبة التي مر بها آدم والمدرب على حد سواء.

يتحمل المدرب جبريل أثاراً نفسية مزعجة أثناء تعامله مع الأطفال. وهو يحمل خليطاً من المشاعر السلبية المحملة بالتحدي والخوف من الفشل، ولكن كانت دائماً تغلب عليه المشاعر الإيجابية والعزيمة والهمة والإرادة على التحديات والصعوبات التي كان يعانيها مع الأطفال.

يصف جبريل التركيز على الجهد الشخصي في الماء، بدءاً من تهيئة أجواء المسبح ليتناسب مع طبيعة الحالة الخاصة أو الإعاقة التي يعاني منها الطفل، “الذي يكون غير مُطالب إلا بتنفيذ التعليمات التي أطلبها منه. وبالنسبة للأطفال، وظيفتي أن أقدم لهم الأمان والطمأنينة النفسية، وهذا طبعاً يزيد من الإرهاق الفكري والنفسي لدي”.

عمل جبريل في المياه يقتضي تفهم سلوك الأطفال التي تعبر بطرق متعددة سواء بالضرب او بالبكاء، أو الخوف، الأمر الذي يتطلب متابعة تعابير وجه الطفل ومشاعره، في الوقت الذي لا يستطيع معظم الأطفال التعبير عن مشاعر الانزعاج او الحب او الفرح او الحزن او الخوف أو التوتر من المياه.

ويضيف جبريل “نحن في النهاية لدينا مشاعر، ورغم كل التعب النفسي، أشعر أنني أستمد القوة منهم، والإرادة والنشاط وأشعر بالتميّز معهم، لأن باستطاعة هؤلاء الأطفال أن يلقنونا دروساً في الصمود”.

يريد جبريل أن يكون لهؤلاء الأطفال مستقبل باهر يستطيعون من خلاله الاعتماد على أنفسهم في المجتمع.

“لا يتعب أحد من العطاء” بحسب جبريل، ولكن النفس البشرية ميالة بطبيعتها للسلام والهدوء والاستقرار وتعاملنا بشكل يومي مع أشخاص يعانون من نقص ما في قدراتهم، يُشعرك بالإرهاق النفسي، وتشعر بأنك مسؤول بشكل غير مباشر عن مساعدته”.

عانى جبريل غير مرة في البحث عن مسابح تستقبل الأولاد ذوي الاحتياجات الخاصة، من أجل معالجتهم بكلفة زهيدة.

والسبب الرئيسي في رفض عدد من المسابح عمل جبريل هو العامل المادي، فقد كانت إدارات معظم المسابح المغلقة تطلب كلفة استثمار عالية تفوق قدرة الأهالي وجبريل، علما أن جبريل لا يزال يتحمل رسوم دخول الأطفال إلى المسابح.

إلى ذلك، لم يكن يرضى أصحاب المسابح أن يدخل إلى مسابحهم أطفال من ذوي التحديات الخاصة، نظراً لأن زبائنهم يشعرون بالشفقة أو ربما بالخوف من “مناظر توجع القلب”، وهذا ما لا يناسب إدارة المسبح، برأيهم.

كما أن الغيرة من بعض مدربي السباحة، كما يقول جبريل، هو العامل الثالث الذي منع جبريل من الدخول إلى معظم المسابح الأخرى، خصوصاً أن جبريل يعمل مع حالات لا يستطيع أي مدرب آخر أن يعمل معها، بالإضافة إلى الأسباب الطائفية المقيتة.

فتى اللامبورغيني الحمراء، رضوان

لاموبرغيني !

يركض وسيم ومحمد من المقاعد التي يجلسون عليها في آخر الصف لإعادة أقدام زميلهم رضوان شهاب (8 سنوات) إلى مكانها الصحيح على اللمبرغيني. يضعون كل قدم على الدواسة المخصصة لها، ولكنهم ليسوا دواسات للبنزين أو الفرامل.

يُطلق رضوان لقب “اللمبرغيني” على كرسيه المدولب، اعترافاً منه بقدرته على تحقيق السرعة في أثناء استعماله للكرسي في المدرسة وفي حياته اليومية.

يحب رضوان وسائل النقل بجميع أنواعها، وكان لديه حلم بركوب القطار، حققته جمعية تمنى هذا العام، في فرنسا، في أثناء زيارة لعالم ديزني لاند، مع شقيقه ووالدته، في الوقت الذي ينتظر فيه أن يحقق أمنية كبيرة وهي لقاء لاعب ريال مدريد الشهير رونالدو، بالإضافة لركوب الباص ذو الطابقين في لندن.

لا يفارق رضوان شقيقه الأكبر محمد.

عندما سألت رضوان عن حبه لأخيه، فتح ذراعيه على وسعها وهو يجلس إلى جانب جدته، مرفقاً كلامه بكلمة “كتير”، كأنه كان يريد القول إن حبه لشقيقه أكبر من مساحة الكون ومحيطه، والكون بالنسبة إلى رضوان قد يكون المساحة الصغيرة التي يجعلها الشقيقان ملعباً لكرة القدم، وهي تمتد من النافذة التي تطل على الشارع، إلى باب البيت الذي يبعد عنه مترين فقط.

يشعر رضوان بفرحة عامرة تجاه شقيقه محمد، الذي وجد نفسه أقل حصولاً على الاهتمام حينما أصيب رضوان بعد ولادته بأشهر بسرطان في الحبل الشوكي(neuroblastoma)، وهو السرطان الذي يتطلب صبراً جميلاً ومتعباً، وفرص النجاة منه قليلة.

كان رضوان الحالة الأولى التي بدأ المدرب جبريل بمعالجتها في بداية مشواره في لبنان. كانت الجلسة الأولى مرعبة بالنسبة إلى رضوان.

فلم يكن باستطاعته أن يشعر إلا بـ 25 في المئة من جسده، وتحديداً من مستوى حلمات الصدر فما فوق.

لم يتقبل رضوان فكرة المسبح، بعدما شعر أن كمية المياه الكبيرة قد أخافته. لذلك قرر جبريل بدء العلاجات في الجاكوزي، وحينها بدأ رضوان يسبح لوحده، ومن بعدها بدأ يشعر بالتودد إلى مساحة أكبر في المياه، وأصبح متشجعاً للغوص تحت الماء في المسبح.

يقول جبريل إن رضوان زادت لديه الثقة بالنفس.

الطفل الذي تشعر بأنه رجل صغير، أصبح لديه شخصية قوية، وأصبح مغروراً بنفسه، وهو يستحق ذلك، بما استطاع إنجازه في المياه.

يشرح جبريل أن الشلل الجسدي الذي يعاني منه رضوان أدى إلى شد زائد في الحبل الشوكي على مستوى الفقرات t2,t3 وهي الفقرات الظهرية التي تقع بموازاة حلمات الصدر، وهو ما كان يُشعره بالبرد في أثناء التدريب، مع العلم أن حرارة المياه كانت مثالية. لكن ضخ الدم في جزؤه العلوي لم يتمكن من جعله يشعر بالدفء.

لاحظ المدرب أن معدلات ضخ الدم إلى جسد رضوان كانت في ارتفاع بفضل ممارسة السباحة، وخصوصا بعدما لاحظ أن العضلة التوأمية في قدمه(patella) قد ازداد قطرها، علماً أن لا حركة فيها، وهذا ما يبقي العضلات حية.

وقد أصبح رضوان الطفل اللبناني الأول على مستوى اصابته في الشرق الأوسط، الذي يتمكن من السباحة بشكل جيد جداً.

رضوان شهاب خلال درس السباحة

يشعر رضوان بالفرح عندما تقص والدته ظروف ولادته أمام الناس. تقول هبة بليق شهاب، الأم الحديدية التي لم يستطع المرض هزيمتها، إن ولادة رضوان كانت طبيعية وسهلة ولم تشكُ من أية عوارض. بعد 3 أشهر من ولادته، بدأ تظهر مشاكل في عينه اليمنى، ولم يستطع الأطباء تحديد ماهية الضعف الذي حصل له، بعدما ترافق مع ذلك رجفان في يديه وقدميه.

اعتقدت الوالدة، بعدما أشار طبيب الأعصاب إلى أن نقطة اليافوخ في أعلى الرأس قد أغلقت قبل أوانها، أن ابنها مصاب بسرطان الدماغ، ولكن بعدما أجرت عدداً من الصور والفحوصات وصور الأشعة تبين أن رضوان يعاني من سرطان في الحبل الشوكي، بعدما تبين أن الكتلة التي في رئتيه ضغطت على الحبل الشوكي وشلت حركته في الجزء السفلي من جسده.

تقول الوالدة إن المستشفى التي كان رضوان يتعالج فيها، أعطتها 5% من الأمل، وأن رضوان قد يرحل بين يوم وآخر.

لم تستكن الوالدة، وقامت بطلب نقل رضوان إلى مركز “سان جود” لعلاج أطفال السرطان.

تغير منسوب الأمل في المركز إلى 95 في المئة، وبقيت الخمسة في المئة متعلقة بالتطورات التي من الممكن أن تحصل أثناء تلقي رضوان للعلاج الكيميائي، ولكن بقي احتمال مشي رضوان على قدميه صعب المنال.

تعذب رضوان كثيراً، حتى أصبح على ما هو عليه الآن.

طفل لا تفارق البسمة تعابير وجهه، برغم كل الأوجاع التي مر بها. بعد العلاج الكيمائي ذابت الكتلة السرطانية وبقي 2 ملم منها، ولكنها ماتت هي الأخرى لاحقاً.

كان الطفل الصغير بسنواته الأربع يتلقى أربعة علاجات كيميائية في مستشفى السان جود. الفيروس الذي التقطه في المستشفى، أدخله في العناية الفائقة لمدة ثلاثة أسابيع، وكانت العلاجات، التي تستنزف دمه وترفع من ضغطه، وتضرب كليتيه وقلبه، تأخذ من قلب والدته، التي انهارت أعصابها في لحظة تخلٍ.

عاشت هبة على أدوية الأعصاب لمدة 3 أشهر، قبل أن تنفض عن نفسها غبار المرض لتقف إلى جانب ولديها. فرحتها برضوان اكتملت حينما تخلص من العلاج الكيميائي.

الوالدة التي لم يهزمها المرض، تعلمت قيادة الدراجة النارية، رغم كل الكلام الذي تسمعه أثناء قيادتها على الطريق العام.

اشترت الدراجة النارية لأنها كانت تريد أن تسهل أمور رضوان في المدرسة، كونه يعاني ولا يزال من مشكلة في التبول، ويحتاج إلى ابتلاع أدوية مخصصة لذلك.

استخدام الدراجة النارية بالنسبة لهبة، كان فرجاً لمتطلبات رضوان خاصة في بلد يُعاني من ضيق شوارعه وازدحامها.

هبة، والدة رضوان إشترت دراجة نارية صغيرة تساعدها في تخطي زحمة السير للوصول لابنها

تستعمل هبة الدراجة مرتين يومياً، وهي تستخدمها للذهاب من بيتها في شارع حوض الولاية إلى قصقص في بيروت، وهي تفضلها على السيارة، نظراً لزحمة السير الخانقة التي يعاني منها اللبنانيون يومياً.

الرحلة اليومية تبدأ في السيارة عند الساعة السابعة حينما توصله إلى المدرسة، وتعود على الدراجة النارية خلال فسحة الساحة 10، ليستطيع الدخول إلى الحمام، ومن ثم اللعب مع أصدقائه في الملعب.

الأمر نفسه يتكرر عند الساعة 12 ظهراً، لتعود بالسيارة عند الساعة 2:30 وتعيده إلى المنزل.

نقلت هبة طفلها رضوان من مدرسة إلى أخرى، بعدما رفضوا أن يستقبلوه لأنه “على كرسي”.

تهمة تجدها الوالدة فخراً لها، ولا تجد حرجاً في كشفها أمام الناس جميعاً، نظراً لكونه طفل ناجح ومثابر في مدرسته الجديدة، برغم الأقساط المرتفعة جداً، والتي تترافق مع الحصول على بعض الحصص المتعلقة بالنطق والجلسات الحسية الحركية، والعلاج الفيزيائي.

يتعب رضوان حينما يكتب على الورق، وهذا ما يراعيه القيمون على رضوان، بحيث يقومون بالكتابة عنه أثناء اجراء الامتحانات، التي لا يتميز فيها رضوان عن زملائه في الصف.

تشعر الوالدة أن رضوان سيصبح عبقرياً في حياته في السنوات اللاحقة، وتتمنى أن تعالجه في أي بلد أجنبي، ليستطيع أن يدخل إلى الحمام بمفرده، من دون الاستعانة بأدوية خاصة.

كما تطلب أن تهتم وزارة الشؤون الاجتماعية بهؤلاء الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية خارج بعض المؤسسات التأهيلية التي يخرج منها الولد بحالة أسوء.

كامل اكتسب ثقة بسبب تمرينات السباحة وأصبح العلاج المائي جزءا من اندفاعه وحماسته.

أم بمئة صوت!

لم ترد عزة منصور يوماً أن تخبئ ابنها كامل إسماعيل (7,5 سنوات) عن أعين العالم، لا بالعكس، استمرت بمشوارها الذي بدأته قبل زمن في البحث عن كل ما يسعد كامل.

كان كامل يشعر بالبكاء من زحمة الأولاد في الأماكن العامة، وكان هؤلاء من حبهم لصاحب العيون الخضراء، يقتربون منه ليسألونه عن اسمه، إلا أن كامل لم يكن باستطاعته التحدث إليهم، مكتفياً بالنظر إلى والدته التي كانت تحمل في حنجرتها مئة صوت وربما أكثر.

تستعير عزة صوت ابنها وتدمجه بصوتها لتقول للأطفال بلغتهم أن اسمه كامل، قولاً وفعلاً، بنظرة الأم التي لا تخيب.

تستعير صوت ابنها من دون أن تشعر أن ثقلاً صوتياً يقبع جاثماً فوق صدرها، لا بل لتكون عرّابته وحارسته في كل مكان.

يقول جبريل إن كامل جاء إلى الحياة في بداية الشهر التاسع. حصل له نقص في الأوكسيجين في دماغه، مما أثر على منطقة النطق والحركة.

بدأ جبريل يدرب كامل على السباحة، وتعرف الطفل على شعور الخوف في الماء، بعدما كان لا يعرف كيفية التعبير عن شعوره سوى بالبكاء.

تغير كامل كثيراً منذ اللحظة التي بدأ يتعلم فيها السباحة.

ارتفع مستوى التركيز والتنسيق ما بين النظر وحركة اليدين، وبدأت تعابير الفرح والحزن أكثر وضوحاً بعدما زادت ثقته بنفسه.

كذلك استطاع كامل استعادة قدرته على التنسيق بين أطراف جسده، وتحديداً قدميه، بعد التوتر الزائد في العضلة الثلاثية والرباعية من فخذيه، التي كانا يسببان اختلالاً في التوازن.

كان كامل كأي ولد طبيعي لحظة ولادته. ولكن بعد مرور عامٍ كامل، شعر الوالدان أن هناك مشكلة كونه لم يستطع الجلوس على الأرض، وكان يعاني من مشكلة في عينه ويده اليمنى ورجله اليمنى أيضاً، ولكن منطقة النطق كانت سليمة.

لم يكن كامل قادراً على المشي مثل بقية الأطفال، فقد كانت الأعصاب المشدودة تجعله يقف على رؤوس أصابع قدميه ليمشي، ولكنه استطاع تخطي هذه المرحلة بعد العلاجات الفيزيائية، وأصبح قادراً على صعود الدرج بنفسه.

على الجانب الآخر من العلاجات، كانت غدير الزين، أخصائية تقويم النطق واللغة تعمل مع كامل على تنمية مهارات التواصل غير الشفهية.

وتقول الزين في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط، إن الهدف الأساسي من العمل مع كامل كان تطوير مهارات التواصل وفق برنامج pecs.

ويعمل برنامج pecs على تطوير مهارات التواصل باستخدام الصور.

واستطاع كامل بعد عام كامل من العلاج أن يفتح دفتر التواصل ويدل على الشيء الذي يريده عبر استخدام كلمة “بدي” قبل أن يشير إلى صورة الحمام مثلاً، في حال كان يريد الذهاب إلى المرحاض، أو الإشارة إلى صورة الطعام الذي يحبه، كما استطاع كامل، بحسب الزين، التعبير عن شعوره أيضاً من خلال الصور، سواء كان حزيناً أو فرحاً، أو خائفاً.

تطور تواصل كامل بشكل كبير، وأصبح قادراً على إخراج بعض الأصوات ذات المعنى، وأصبحت مهارات الانتباه السمعي أفضل من ذي قبل، فأصبح قادراً على إحداث ردة فعل معينة حينما يسمع صوت الكلب، على سبيل المثال.

تشير الزين إلى أن “هدفنا في الوقت الحالي ليس اجباره على التواصل بشكل شفهي فقط، بل أن يستطيع التعبير عن شعوره ومتطلباته، بدلاً من البكاء. وحينما يصبح جاهزاً، نستطيع أن نطور مهارات اللغة المحكية، التي قد يستعيد جزءاً منها”.

لا يجد كامل حرجاً في المشاركة في أعياد ميلاد رفاقه في المدرسة.

يشعر بفرح كبير ويقوم بالقفز مستمتعاً بالأغنيات والموسيقى التي يحبها. ويقوم بمشاهدة الأفلام التي تعجبه ويتفاعل معها بشكل جيد.

يردد أسماء اخوته بطريقته الخاصة، وفي المرة الأخيرة قال لأخصائية النطق إنه “منيح” (بحالة جيّدة) عندما سألته “كيفك؟”.

علي، المصاب بمتلازمة داون مع المدرب جبريل في المسبح.

علي الجمل: صاحب الذاكرة الصلبة!

لا ينسى علي تواريخ أعياد ميلاد اخوته ورفاقه في المدرسة. يحفظهم عن ظهر قلب بالتاريخ واليوم والساعة، ويحب الوجوه التي تمنحه الدفء والحب، ويكره الوجوه التي تجعله حزيناً.

يشعر علي الجمل (8 سنوات) فعلاً بقوة الآية القرآنية القائلة “سيماهم في وجوههم”.

هذا الطفل المصاب بمتلازمة داون، الحنون والطيب بين اخوته، هو صاحب الذاكرة الصلبة والذكاء المتقد.

عندما بدأ جبريل العمل على تنظيم سلوك علي الجمل، شعر الأهل أن سلوك علي قد تحسن بعدما ارتفعت ثقته بنفسه، بعدما كان يقوم بدفع الأولاد إلى المياه في منتزهات الألعاب المائية قبل ذلك.

تبدل سلوك علي وأصبح ولداً منضبطاً واصبح قادراً على الذهاب إلى النقاط العميقة في المسبح ولم يعد خائفاً.

وجد والدا علي حلاً لمشكلة العطلة الصيفية، بعدما رفضت عدة مخيمات تستقبل الأطفال، انضمام علي إليهم، نظراً لإصابته بمتلازمة داون، وللمعتقدات السائدة بأن علي يمكنه أن يتسبب بأذية الأولاد، في الوقت الذي كان يشاهد أخوته وهم يمارسون نشاطات رياضية من دون حدوث أي مشاكل.

تستعيد والدته أحداثاً لم تكن تريد تسجيلها في ذاكرتها.

لم تصدق الوالدة وهي تحمله إلى رأسها لتقبله لحظة الولادة، أن علي ولداً طبيعياً، رغم كل التطمينات التي أشار إليها الأطباء.

بعد فترة قصيرة، طلب أحد الأطباء فحص الوراثة لمعرفة ما إذا كان هناك خلل في توزيع الكروموسومات في جسد علي. وعندها وجدوا أن علي مصابٌ بمتلازمة داون.

كان صعباً على الوالدة أن تتقبل حالة علي، كونه لم يكن المجتمع واعياً بشكلٍ كافٍ للتعامل مع هذه الحالات.

وقع الوالدان في حيرة من أمرهما، خصوصاً أن علي كان المولود الأول في عائلة لم تَشكُ يوماً من مرضٍ وراثي أو أي مرض آخر.

كانت تشعر بالكلمات الجارحة التي كان يطلقها أصدقاءها حينما كانا يأتون للمباركة بولادة علي.

نظراتهم المزعجة إلى عيونه المتسعة وأطراف أصابع يديه وقدميه القصيرة، وطريقة حمله للأشياء كانت تفتح جرحاً تلو الآخر في وجدانها.

كانت تشعر بالاختلاف بينه وبين الأولاد الآخرين. وكانت تراقب تصرفاته وتكتشف أن علي يمارس نوعاً آخر من التصرفات التي قد تقوم بها أطفال من عمره، بحيث كان يمشي بطريقة مختلفة وكان يتحدث بطريقة أخرى.

ولكنها لم تستطع الوقوف مكتوفة اليدين. أخبرت أصدقائها الذين يعملون في دار الأيتام عن حالة علي، والذين تدخلوا مشكورين عبر إرسال معلمة “تَدَخُّل مبكر” لتُعَلِّم علي بعض المهارات المحكية ومهارات التواصل غير الشفهية، وتعلّم الأهل كيف يجب أن يتواصلوا مع طفلهم.

أصبح علي الآن شخصية محبوبة جداً في مدرسته وفي الحي الذي يقطن فيه في الخندق الغميق، في بيروت.

يتمتع هذا الفتى بكاريزما قوية، وهو محب ولطيف وحنون على كل من يتعرف إليه.

يقوم الأهل بتنفيذ خطة عُشرية أعدتها المدرسة الدامجة التي يتلقى علي علومه فيها، والخطة تهيء علي للسنوات العشر المقبلة، لتنظيم سلوكه، واعتماده على نفسه، وتوجيهه لاختياره الاختصاص المهني أو العلمي.

يحب علي اخواته ويلعب مع كل فرد منهم على حدى. لا يحب علي ألعاب الصبية التي يدخل خلالها أفعال الحرب واستعمال الأسلحة البلاستيكية، بل يكتفي بتشغيل عقله في ألعاب ذهنية تحتاج إلى دقة وتركيز كبيرين.

يرى والدا علي أن الأخير سيشارك في مسابقة السباحة الدولية في مصر حينما يبلغ 12 عاماً.

وهذا ما يجده الوالدان أنه فرصة كبيرة لزيادة ثقة علي بنفسه.

الملكة مريم، التي تعلمت السباحة في 18 جلسة بالرغم من ضعف عضلات رجليها.

 

الملكة مريم!

لم تكن “مريومة” (7 سنوات) لتنجح لولا وقوف والدتها وعائلتها إلى جانبها.

الملكة، وهو لقب استحصلت مريم مكي عليه، بعد إثباتها، أمام أقرانها أنها قادرة على السباحة، رغم الثقب الخلقي في أسفل الظهر والمعروف علمياً (spina bifida).

يقول جبريل إن الثقب الخلقي نشأ معها في أثناء حمل الوالدة، وقد تضرر الحبل الشوكي في أسفل الظهر وأدى لإيقاف الحركة تماماً في رجلها اليمنى، ولكنها تستطيع تحريك اليسرى بحركة خفيفة جداً.

تعلمت مريم السباحة واتقنت اساليبها بعد 18 حصة تدريبية، مرت فيها بعدة تغيرات جسدية ونفسية.

تقول مريم مجيبة عن سؤال المدرب جبريل، حينما يسألها عن معنى السباحة بالنسبة إليها، “إن السباحة تعني أنني يمكنني الذهاب إلى أي مكان أريده. أستطيع التزود بالنفس، لأكمل السير إلى مكان آخر”.

السباحة بالنسبة إلى مريم هي حرية، لم تستطع الحصول عليه على الأرض.

على اليابسة، تقوم مريم بالزحف على ركبتيها، التي تآكلت الجلدة الخارجية منها، المعرضة للاحتكاك في كل مرة..

تنتقل مريم على كرسي مدولب برفقة والدتها القائمة على رعايتها وخدمتها.

تقول الوالدة أنها كانت تعرف أن طفلتها تعاني من شلل في ظهرها قبل ولادها، وأخبروها كيف ستصبح حالتها في المستقبل وكيف يجب أن نتعامل معها.

بعد عدة عمليات جراحية، تمّكن الجراحون من إغلاق الفتحة الخلقية في الظهر، وهي لا تختلف عن الأولاد العاديين بأي شيء.

تعرضت مريم إلى عدد من المشاكل وأهمها انكسار وركها لمرتين متتاليتين كونها لا تشعر بالجزء السفلي من جسدها.

وتحسن تنفس مريم بعدما كان نفسها قصيراً قبل ممارسة السباحة، وساعدها في تخفيف وزنها الذي بلغ 35 كيلوغراماً، وهذا ما كان يُضايق والدة مريم، حينما يسألونها المارة لماذا تقومين بحملها، في الوقت الذي تستطيع فيه الوقوف والمشي على أقدامها، دون أن يعرفوا أنها لا تستطيع المشي.

أصبحت مريم على قدر كبير من الثقة بنفسها بعد تعلمها السباحة، وخصوصاً أمام أولاد عمومتها والأولاد الذين يجايلونها في العمر.

وأصبحت هذه الفتاة الجميلة مشهورة جداً بعدما نشر المدرب عدداً من الفيديوهات على موقع فيسبوك على صفحة special needs can swim والتي تُظهر عملية تقدم مريم في السباحة.

كان من المحبذ ألا نسأل الوالدة عن كيفية تخيل مستقبل ابنتها.

شعرت الوالدة بتعب كبير حينما أرادت الإجابة عن هذا السؤال.

وقام المدرب جبريل بالرد عنها فيما أخذت الوالدة تبكي.

يقول جبريل إن الطفلة السليمة عقلياً وعاطفياً، “ستمر بمرحلة مزعجة بعد سنوات من هذه اللحظة، وستسأل والدتها لماذا لا يكون لي شخص أحبه مثل باقي الفتيات، ولماذا يشعرن بتغيرات في أجسادهن ولا أستطيع أنا أن أشعر فيها، وهي أسئلة حرجة تمر بها كل امرأة”.

بعد استعادة قوتها، تقول الأم إنها لا تريد أن تفكر بمستقبل مريم منذ هذه اللحظة.

“أريد أن أتفاجئ يومياً بما يحصل معها، وأريد أن اعرف من فوري كي يمكنني معالجة المواضيع، ولا أريد فعلياً أن أحصل على احتمالات لا أحبذ التفكير فيها منذ الآن”.

طلب الوالدة الوحيد أن تقوم الدول مجتمعة بتحصيل حقوق هؤلاء الأطفال، وأن تخصص مراكز مهمة لعلاجهم، على الصعيد الطبي والنفسي، لأنهم أولاد مثل باقي الأولاد الطبيعيين، كي يشعروا أنهم مواطنين من الدرجة الأولى.

ما العمل؟

أثبت أهالي الأطفال تعاونهم الكامل مع علاجات أبنائهم.

الأهل بحسب جبريل “ملتزمون ومتعاونون، ويعتبرون أن التدريب أولوية بالنسبة إليهم، ولكن تبقى بعض المعوقات المادية عقبة أمام متابعة النشاطات المطلوبة منهم، نظراً لارتفاع تكلفة الأقساط المدرسية الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة”.

كذلك أبدى الأهل تجاوباً لناحية التعليمات التي كانوا يحصلون عليها، لمتابعة العلاجات في المنزل، بحيث كانوا يتلقون تعليمات تتعلق بنفسية الطفل، وكانوا يسجلون جميع الملاحظات في أثناء مشاهدتهم لأولادهم في المياه.

معرفة جبريل بالحالات التي يعالجها لم تأتِ من عبث.

فقد كان يشرع في البحث عن التشخيص الطبي لكل حالة، مستشيراً عدداً من أصدقاءه الأطباء والمعالجين، الذين يتخصصون في عدد من الدول الأوروبية والأميركية، ويقوم بتزويد الأهل بجميع التطورات المرتبطة بأبنائهم على الصعيد الطبي في العالم.

وكانت عملية تحسن حالات الأطفال تمر بموجة من التغيرات، ولكن كانت الغلبة للتحسن الإيجابي.

يقول جبريل إنه يجب على المجتمع أن “يعامل هؤلاء الأطفال كبركة، وليس كعالة عليهم، فهم اشخاص منتجون وفاعلون ولكنهم بحاجة إلى من يمد لهم يد العون، لنبش مواهبهم واستثمارها ودعمها”.

أما بالنسبة للأهل، فعليهم ألا يخفوا أبنائهم عن المجتمع، لا بل “يجب أن يفتخروا بهم، وأن يجعلوهم يمارسون الرياضات وخصوصاً رياضة السباحة، التي تترك أثراً نفسياً وجسدياً وسلوكيا، ليصبحوا قادرين على الانخراط في المجتمع، وذلك لأن تغيير حالة الأطفال يبدأ من الأهل الذين لا يجب أن يبخلوا عليهم بالنشاطات الرياضية”.

Facebook Comments

Leave a Reply